وسط شبح النووي.. هل تمنع قدرات الردع انفجار الحرب بين الجارتين؟
وسط منطقة مشتعلة بالصراعات التاريخية والحدود المتنازع عليها، يقف العملاقان النوويان، الهند وباكستان، وجهًا لوجه، منذ أن امتلك البلدان السلاح النووي، وظلت نظرية الردع النووي هي الضامن الوحيد لعدم انزلاقهما إلى حرب نووية شاملة، ولكن السؤال المهم، ما شكل سباق التسلح النووي بين الطرفين؟.
الطريق إلى النووي
في عام 1947، اجتمع مجلس العموم البريطاني وقرر منح شبه القارة الهندية استقلالها عن التاج البريطاني، وذلك بعد سنوات من النضال السياسي وحركات التحرر، ولكن جاء القرار مصحوبًا بتقسيم البلاد إلى دولتين: الهند ذات الغالبية الهندوسية، وباكستان ذات الغالبية المسلمة، ونتيجة لهذا التقسيم تصاعدت التوترات الدينية والاضطهاد العقائدي، الذي جعل التعايش بين الطوائف في كيان سياسي واحد أمرًا بالغ الصعوبة، ومنذ لحظة الانفصال، بدأت سلسلة من النزاعات السياسية والعسكرية، كانت التمهيد المباشر لسباق التسلح النووي بين الطرفين لاحقًا.
من الحروب إلى الردع النووي
خاضت الهند وباكستان حربين بعد الاستقلال: الأولى عام 1965 بسبب كشمير، ولكنها لم تحقق لباكستان الهدف المطلوب والثانية عام 1971، التي انتهت بانفصال بنجلاديش، ومثلت الهزيمة في حرب 1971 صدمة استراتيجية لباكستان، دفعتها لتسريع تطوير برنامجها النووي، في مواجهة تفوق الهند العسكري.
ومنذ ذلك الحين، هدأت وتيرة الحروب التقليدية، لكن التصعيد النووي مازال يتصدر المشهد، إذ يمتلك الطرفان سلاحًا قادرًا على تدمير مدن كبري.
بداية البرنامج النووي الهندي
بدأت الهند تسعي لإنشاء برنامجها النووي في خمسينيات القرن العشرين، وذلك لتحقيق التوازن مع الصين في الشرق، وردع الصراع الأزلي في الغرب الذي استمر ما يقرب لثمانية عقود مع باكستان، حيث أصدرت الهند قانون الطاقة الذرية عام 1948، لتؤسس عام 1954 هيئة الطاقة الذرية الهندية، التي شكلت الخطوة الأولى للبرنامج النووي.
وفي عام 1955، أطلقت الهند أول مفاعل نووي لها لأغراض سلمية، بدعم من بريطانيا وفرنسا. لاحقًا، أنشأت مفاعلاً آخر بالتعاون مع كندا، وفي عام 1957، أسست مصنعًا لإنتاج اليورانيوم المخصب اعتمادًا على خامات محلية، وبحلول عام 1964، كانت الهند قد امتلكت تكنولوجيا التصنيع النووي بالكامل.
وفي عام 1974، أجرت الهند أول تجربة نووية ناجحة تحت مسمى "بوذا المبتسم"، معلنة دخولها نادي القوى النووية، ثم تبعتها بخمس تجارب نووية أخرى عام 1998، ما مثل نقطة تحول استراتيجية في توازن القوى بالمنطقة.
ورغم تقديم الدول الكبري الدعم والمساندة للهند في مراحل مختلفة من برنامجها، إلا أن معظمها طالب لاحقًا بتفكيك القدرات النووية الهندية، لكن رغبة الهند أصرت برغبتها في امتلاك قوة ردع نووية، وذلك لتحتل مرتبة عالمية، وتؤكد مكانتها كقوة عظمى صاعدة.
وفي الوقت الحالي، تمتلك الهند سلاحًا نوويًا متكاملاً يشتمل صواريخ باليستية، وطائرات مقاتلة، وغواصات قادرة على إطلاق أسلحة نووية، مما يمنحها قدرة الردع، والرد بالمثل في حال التعرض لهجوم نووي، وعلي الرغم من تبني الهند لسياسة "عدم البدء بالاستخدام"، تظل قدراتها النووية جزءًا أساسيًا من توازن الردع، خاصة أنها أول دولة تطور سلاحًا نوويًا خارج إطار معاهدة حظر الانتشار النووي التي لم توقع عليها.
بداية البرنامج النووي الباكستاني
بدأت باكستان مسيرتها النووية رسميًا عام 1972، كرد مباشر على البرنامج النووي الهندي، خاصة بعد إجراء الهند أول تجربة نووية عام 1974، وعلي الرغم أن فكرة امتلاك باكستان قدرات نووية لأغراض سلمية، ظهرت منذ ستينيات القرن الماضي، إلا أن التجربة النووية الهندية دفع باكستان إلى تسريع خطواتها بشكل ملحوظ.
حصلت باكستان على دعم سياسي وتقني من دول عدة، أبرزها الصين والسعودية، وسعت إلى تطوير بنيتها التحتية النووية رغم الضغوط الدولية، وفي عام 1998، أجرت باكستان ست تجارب نووية ناجحة، ردًا على خمسة تفجيرات نووية أجرتها الهند في الشهر ذاته، ما أكد دخول البلدين في سباق نووي معلن.
ورغم محاولات الغرب لعرقلة البرنامج النووي الباكستاني، من خلال فرض العقوبات سياسية واقتصادية، إلا أن باكستان واصلت تطوير قدراتها، وقد ذكرت مجلة The National Interest مؤخرًا أن باكستان قد تكون في طريقها لتصبح ثالث أكبر قوة نووية في العالم من حيث عدد الرؤوس النووية، إذا استمرت في وتيرة التسلح الحالية.
وفي الوقت الحالي، تمتلك باكستان منظومة "الردع الشامل"، تشتمل علي صواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى، وطائرات مقاتلة، وغواصات قادرة على إطلاق أسلحة نووية، مما يمنحها قدرة الردع النووي، وبالإضافة إلى ذلك، بدأت باكستان تطوير قدرتها البحرية النووية، من خلال إدخال صواريخ بابور-3، التي تطلق من غواصات، مما يعزز من قدرتها على الرد السريع والمفاجئ في حال التصعيد النووي، ورغم أن باكستان ترفض سياسة عدم البدء بالاستخدام النووي، الامر الذي من شأنه أن يحد من الآثار المدمرة لأي صدام نووي محتمل.
وبهذا لم يكن امتلاك السلاح النووي في الهند وباكستان نهاية المطاف، بل بداية لمرحلة جديدة من التوتر والقلق، كلا البلدين يرى في ترسانته النووية صمام أمان ضد الآخر، إلا أن هذا التوازن لا يقوم فقط على الحسابات العسكرية، بل يتأثر أيضًا بالعوامل السياسية، وفي ظل غياب آليات فعالة لمنع التصعيد واحتواء الأزمات، يبقى الخطر قائمًا، ولكن السؤال هنا هل قدرة الردع النووي بين الهند وباكستان كافية لتجنب الحرب النووية ؟.