رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

محمد دياب يكتب: مذبحة على الهواء.. والضمير مغلق للصيانة

محمد دياب
محمد دياب

في غزة يموت الناس دفعات يوميًا، كأن الموت صار طقسًا روتينيًا يُمارَس تحت سمع العالم وبصره، دون أن يرفّ لجمعيته العمومية جفن، أو تتحرك في عواصمه الكبرى شعرة إنسانية واحدة.

الطفل في غزة لا يكبر، لأنه إمّا يُقصف قبل أن ينطق، أو يُحاصر حتى يتوقف جسده عن المطالبة بالحياة! الطفولة في غزة تُسجل في ذاكرة الأرض كشهادة استشهاد، لا تاريخ ميلاد.

غزة الآن ساحة صراع بين الحياة والموت، تُحرَم من الطعام والدواء، وتُقصف جدرانها بلا توقف، في مشهد يعكس قسوة البشرية في أبشع صورها، حتى السفن المُحمّلة بالطحين والحليب أصبحت أهدافاً مشروعة للعدوان، وسفن النجدة تُضرب، ومعابر الإغاثة تُغلق، والأرواح تتطاير في الهواء"، ثم يأتي العالم ليسأل عن تعريف "الإبادة الجماعية".

العدو يقتل الأحياء، ويتعقب الأموات تحت الركام، وكأنهم يخشون أن تنهض الجثث لتكشف قبحهم! كل بيت في غزة أصبح مرشحًا ليكون مقبرة، وكل سرير طفل مشروع شهيد مؤجل.

الفضائيات التي تنقل المشهد بأعلى دقّة، لا تنقل ألم الأطفال الذين يقضون جوعًا، ولا وجع الأم التي تدفن أبناءها على ضوء القمر، لأن النهار أصبح حليف الطائرات، والموت صار مرئيًا جدًا لكنه غير محسوس.

أين اختفت تلك الجموع الغاضبة التى ملأت الساحات يومًا؟ من أطفأ وهج الهتاف وأغلق ميكروفونات الضمير؟ يبدو أن الصراخ لم يعد مُجديًا، أو أن الصمت أصبح الخيار المريح، بعد أن ثبت أن العالم لا يسمع إلا صدى مصالحه.

الأمم تتكلم عن القانون الدولي، وغزة تتكلم بلغة الدم؛ هناك تنعقد المؤتمرات وهنا تنعقد الأجساد على بعضها طلبًا للنجاة.

نحن أيضًا شركاء فى الجريمة، نعم.. شركاء! بصمتنا، بتهافتنا خلف التفاهة، بخوفنا من الحديث، بخنوعنا للتريند السائد، نمارس شكلًا جديدًا من التطبيع.. تطبيع مع موت الأشقاء، تطبيع مع المجاعة، تطبيع مع المجازر.

كتبت ثم تراجعت، ثم كتبت مجددًا، ليس لأننى أظن أن الحبر سيوقف القصف، ولا لأن الكلمات تقدر على إطعام الجائع، بل لأن السكوت خيانة.

كل من يسأل: ما الجدوى من الكتابة؟ أجيبه: ما الجدوى من الصمت؟! إن لم نصرخ بالكلمة، فبماذا ننجو من وصمة التواطؤ؟.

لم تعد الكلمات تواسي، لكنها أقلّ من أن تُنسى.. فحتى الحروف باتت تنزف وهي تُكتب.

لقد سقطت الأقنعة، وانكشفت عورة الحضارة الغربية، التي لم تجد في مذبحة غزة ما يستحق الإدانة، لكنها وجدت في صرخة جائع ما يستوجب الحصار!.

نحن في زمن تُغتال فيه القيم، ويُدفن فيه العدل، وتُفرش موائد الإعلام بلحم الضحايا، بينما يأكل المشاهدون بلا تأنيب، ويُقلبون القنوات بحثاً عن رقصة، أو مباراة، أو فضيحة تُنسيهم حقيقة المذبحة!.

غزة تنزف.. ونحن نكتفي بالمشاهدة.
غزة تحترق.. ونحن نغنّي للنسيان.
غزة تُذبح.. والضمير مغلق للصيانة إلى أجلٍ غير مسمّى!

تم نسخ الرابط