رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

شحاتة زكريا يكتب: الإعلام العربي بين الحلم والحقيقة.. هل نصنع وعينا أم يُصنع لنا؟

شحاتة زكريا
شحاتة زكريا

في زمن التحولات الكبرى والصراعات المفتوحة لم يعد الإعلام رفاهية أو مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبح ساحة صراع حقيقية على العقول والقلوب، السؤال المركزي الذي يواجهنا اليوم هو: هل نملك نحن كعرب مفاتيح تشكيل وعينا؟، أم أن هناك من يصنعه لنا ويعيد تصديره في قوالب جذابة تُخفي خلفها أجندات ومصالح لا تمتّ لنا بصلة؟.

الإعلام العربي في كثير من تجلياته يعيش أزمة هوية مزدوجة: أزمة في الرسالة، وأزمة في المرجعية، فمن جهة، نرى سباقا محموما نحو "التريند"، وركضا أعمى خلف الإثارة، دون اعتبار لمشروع وطني أو رؤية مستقبلية، ومن جهة أخرى نجد خطابا استهلاكيا يعاد إنتاجه يوميا وكأنه نسخة باهتة من إعلام غربي، أو بروباجندا إقليمية بأدوات محلية.

هذا الواقع يطرح إشكالية خطيرة تتعلق بمن يُشكل وعي المواطن العربي اليوم: هل هو الإعلام الوطني؟ أم الإعلام العابر للحدود؟ أم ذلك "الظل الإعلامي" الذي يعمل في الخفاء ويوجه المزاج العام عبر خوارزميات منصات التواصل التي لا نملك مفاتيحها ولا نعلم حدود تأثيرها؟.

في كثير من الدول العربية ما زال الإعلام الرسمي أسير اللغة الخشبية والخطاب الأحادي، بينما تترك المساحات المؤثرة لمنصات خاصة أو قنوات خارجية تبني جمهورها على مهل وتستثمر في القلق العربي والخوف من المستقبل وفقدان الثقة بالمؤسسات.

وهنا تظهر خطورة ما يمكن تسميته بـ"التأجير الإعلامي" حيث يتحول بعض الإعلاميين العرب إلى مقاولين للخطاب يبيعون المواقف حسب الطلب ويعيدون تعريف القيم والمصطلحات بما يخدم من يدفع أكثر.

ومع ذلك لا يمكن اختزال المشهد كله في السلبية، فهناك مساحات مضيئة ومحاولات جادة لصناعة إعلام مختلف يحترم العقل العربي ويؤمن أن الوعي ليس منتجا يُباع بل حق طبيعي لكل مواطن، لكن هذه المحاولات ما تزال محدودة التأثير وتفتقر غالبا إلى الدعم المؤسسي والرؤية التكاملية.

إن صناعة الوعي ليست مهمة الصحفي وحده ولا عبء المؤسسة فقط بل مشروع مجتمعي شامل، تبدأ من التعليم وتمتد إلى الثقافة وتتجذر في الممارسة اليومية للسياسة والاقتصاد والفن، فالوعي لا يتشكل فقط من "ما يُقال" بل أيضا من "ما يُخفى"، و"كيف يُقال" و"لماذا يُقال الآن".

ما نحتاجه اليوم ليس فقط إعلاما حرا بل إعلاما حرا ومهنيا ومسؤولا، إعلام يطرح الأسئلة ولا يهرب منها يشرح الواقع بدلا من تزييفه ويمنح المواطن القدرة على التفكير بدلا من تلقينه النتائج.

في النهاية لا يمكن أن نصنع وعيا عربيا حقيقيا ونحن نستهلك إعلاما لا يشبهنا ولا ينطلق من أولوياتنا، ولا ينتمي إلى همومنا، المعركة ليست على الشاشة بل على المفاهيم، وليست في الاستوديوهات بل في العقول.

والسؤال سيبقى مفتوحا: هل نحن من يُمسك بالكاميرا؟ أم أننا ما زلنا نقف أمامها كمجرد مشاهدين في مسرح لا نملك فيه حتى نص الدور؟.

تم نسخ الرابط