الذكرى الـ 36 لعودة طابا إلى مصر بعد معركة دبلوماسية كبيرة
تحتفل مصر في 19 مارس من كل عام بعودة طابا إلى الأراضي المصرية ورفع علم مصر عليها عام 1989 وتم تحرير طابا بعد ملحمة دبلوماسية وقانونية بالتحكيم الدولي عادت به مدينة طابا إلى حضن الوطن ورفع علم مصر فوق أرضها استكمالا لنصر أكتوبر المجيد عام 1973، ليظل يوما مجيدا فى تاريخ الأمة المصرية، حيث أصبحت مصر كاملة السيادة على أراضيها واستردت آخر نقطة حدودية وهى طابا التى تبلغ مساحتها حوالى 1200 متر.
وشغلت مدينة «طابا» مكانًا بارزًا في سجلات الصراع المصري الإسرائيلي حربيا ودبلوماسيًا وسلميا في المحافل الدولية استمرت لعدة سنوات، حتى تم استرداد جزء غالى وثمين من أرض مصر، فبعد انتصار أكتوبر 1973 جاءت مباحثات السلام بين مصرَ وإسرائيل بتوقيع الطرفين فى حضور الجانب الأمريكى معاهدة كامب ديفيد عام 1979، والتي نصت على سحب إسرائيل لكامل قواتها من شبه جزيرة سيناء في موعد غايته 25 ابريل 1982، إلا أن إسرائيل أثارت أزمة فى ديسمبر 1981 بالإدعاء بمواقع غير صحيحة حول وضع 14 علامة حدودية أهمها العلامة "91" عن طريق تحريك العلامات الحدودية داخل الأرض المصرية للاستيلاء على طابا.
وأعلنت مصر آنذاك أنها لن تفرط في سنتيمتر واحد من أراضيها لتبدأ معركة الاسترداد، وعليه أعلنت مصر التزامها بتنفيذ المادة السابعة من معاهدة السلام التى تضمنت فقرتين رئيسيتين حيث نصت الفقرة الأولى على أن الخلافات المثارة بين الدولتين بشأن تطبيق أو تفسير هذه المعاهدة يتم حلها عن طريق المفاوضة، أما الثانية فنصت على أنه إذا لم يتيسر حل هذه الخلافات عن طريق المفاوضة فيتم الحل عن طريق التوفيق أو تحال إلى التحكيم، وهو الأمر الذى تحقق فى النهاية باللجوء إلى التحكيم بعد استنفاد طريقى المفاوضة والتوفيق.
وفي يوم 11 سبتمبر 1986 وقعت مشارطة التحكيم بين مصر وإسرائيل وأُحيل النزاع إلى هيئة تحكيم دولية تشكلت من خمسة محكمين واتبعت مصر أسلوبا علميا وعمليا من خلال تشكيل اللجنة القومية العليا لطابا التى ضمت خبراء من كافة مؤسسات الدولة المعنية، سواء من وزارة الخارجية أو القوات المسلحة أو المؤسسات القانونية والعلمية والمؤسسات الأمنية، وتحرك الجميع فى إطار هذه المنظومة فى أرقى صورة وطنية وبدعم واضح من القيادة السياسية من أجل الحصول على كافة الوثائق والحجج التى أكدت جميعها أحقية مصر فى طابا.
وصدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 641 بتشكيل اللجنة القومية لطابا برئاسة عصمت عبد المجيد وعضوية 24 خبير، منهم 9 من خبراء القانون، و 2 من علماء الجغرافيا والتاريخ، و 5 من كبار الدبلوماسيين بوزارة الخارجية، و 8 من العسكريين وخبراء المساحة العسكرية، وعهدت وزارة الخارجية المصرية بمهمة إعداد المذكرات إلى لجنة مشارطة التحكيم والتي تشكلت برئاسة نبيل العربي، ممثل الحكومة المصرية أمام هيئة التحكيم في جنيف وبعضوية كل من: من وزارة الخارجية (إبراهيم يسري، بدر همام، حسن عيسى، أحمد أبو الخير، محمود عثمان، عز الدين عبد المنعم، وجيه حنفي، أحمد فتح الله، محمد جمعة، حسين مبارك، محمود سامي، فايزة أبو النجا، أحمد ماهر، مهاب مقبل، ماجد عبد الفتاح)، من وزارة الدفاع (عبد الحميد محسن حمدي، فاروق لبيب، خيري الشماع)، من وزارة العدل (أمين المهدي، فتحي نجيب)، من وزارة البترول (أحمد عبد الحليم، صلاح حافظ)، مفيد شهاب، يونان لبيب رزق، أحمد صادق القشيري، يوسف أبو الحجاج، سميح صادق، صلاح عامر، وحيد رأفت، محمد الشناوي، جورج أبو صعب، طلعت الغنيمي، محمد بسيوني، حسين حسونة، محمد عبد الفتاح محسن.
واستعانت لجنة الدفاع المصرية بالدكتور / دريك باوت في مقابل استعانة إسرائيل بالدكتور / لوتر باخت وكلاهما أستاذ في القانون الدولي وذو خبرة دولية في هذا النوع من المنازعات. وضمت هيئة التحكيم الدولية 5 أعضاء تمثلوا في كل من: الدكتور / حامد سلطان عن الجانب المصري، وعن إسرائيل روث لابيدوت، والثلاثة الآخرون هم: بيليه رئيس محكمة النقض الفرنسية السابق، وشندلر أستاذ القانون الدولي بسويسرا، ولاجرجرين رئيس محكمة ستوكهولم، وضرب المفاوض المصرى أروع الأمثلة على إدارة المعركة التفاوضية منذ بدايتها وحتى نهايتها وتحرك بحرفية طوال سنوات التفاوض، واستخدم كافة الأدوات المتاحة فى إطار من التنسيق الرائع بين كافة مؤسسات الدولة.
ومنذ تشكيل هيئة التحكيم في سبتمبر عام 1986 وحتى 29 سبتمبر 1988، قدم الفريق المصري أسانيد ووثائق تؤكد حق مصر التاريخي في منطقه طابا، تمتد من عام 1274، وأيضاً مجموعه من الأسانيد والوثائق التاريخية من المندوب السامي البريطاني إلى الخارجية المصرية، والمخابرات المصرية عام 1914 وتقارير مصلحه الحدود في عام 1931، إلى أن أسدل الستار في 29 سبتمبر 1988 بإصدار هيئة التحكيم حكمها التاريخي في جلسة علنية عقدت في قاعة المجلس الكبير بالمقر الرسمي لحكومة مقاطعة جنيف في حضور وكيلي الحكومتين، وأعضاء هيئة الدفاع لكلا الجانبين، وأيدت الهيئة موقف مصر معلنة عودة طابا إلى السيادة المصرية.
وتسلمت مصر طابا وقام رئيس الجمهورية برفع علم مصر من ساحة العلم بمدينة طابا في 19 مارس 1989، ومدينة طابا ذات أهمية إستراتيجية وسياحية كبيرة، لموقعها المتميز الذي يشرف على حدود أربع دول هي مصر والسعودية والأردن وإسرائيل، فتقع علي بعد 7 كيلومترات من الميناء الإسرائيلي أيلات شرقاً، وعلي بعد 245 كيلومتراً شمال شرقي شرم الشيخ ذات الأهمية الكبرى في المرور داخل خليج العقبة ، كما تقع طابا في مواجهة الحدود السعودية في اتجاه مباشر لقاعدة تبوك، علاوة على تتمتع آبارها بمخزن ضخم من المياه العذبة.
ويتكون شريطها الساحلي من عدد من الخلجان والبحيرات ومضيق وجزيرة فرعون، وقلعة صلاح الدين الأثرية والتي أنشأها القائد صلاح الدين عام 1171 ميلادي لصد غارات الصليبيين،وحماية طريق الحج المصري عبر سيناء، ويوجد بطابا 10 فنادق من أبرزها فندق هيلتون طابا الذي شيده الإسرائيليين.
وتمثل المنطقة الواقعة بين طابا شمالاً وشرم الشيخ جنوباً أهم مناطق الجذب والتنمية السياحية بجنوب شبه جزيرة سيناء، ونظراً لطبيعة المنطقة الفريدة يأتي إليها عدد كبير من السياح من جميع إنحاء العالم.