رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

محمد دياب يكتب: سوريا بين أنياب الميليشيات

محمد دياب
محمد دياب

مرة أخرى، تتكرر المشاهد الدامية في سوريا، وكأن الدماء التي سالت على مدار أكثر من عقد لم تكن كافية، الساحل السوري يشتعل، والاشتباكات المسلحة في اللاذقية وطرطوس تزداد شراسة، والمحصلة حتى الآن مئات القتلى وآلاف المشردين وعشرات المجازر التي لا تجد من يحاسب مرتكبيها. 

ما يحدث ليس مجرد حرب بين فصائل مسلحة، بل تطهير دموي، مجازر ترتكب بدم بارد بحق المدنيين، تصفيات جسدية، إعدامات ميدانية لنساء وأطفال، وجثث مرمية في الشوارع كأنها لا شيء، العالم يرى ويسمع، لكنه يفضل الصمت، وكأن سوريا ليست سوى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية، وكأن الدم السوري بلا قيمة، وكأن القتلة يملكون حصانة تمنع محاسبتهم.

رأيت مشاهد تزلزل القلوب وتقشعر لها الأبدان، دماء تسيل كالسيل الجارف، أجساد ممزقة، كرامة مهدورة، وعبودية تُفرض بالسلاح يفتك السوريون ببعضهم كأنهم أعداء منذ الأزل، لا فرق بين قاتل ومقتول، بين جلاد وضحية، بين حاكم ومستضعف، قبل سقوط بشار كان الجحيم، وأثناء سقوطه كان الخراب، وبعد سقوطه ظل الموت سيد الموقف، لم يتغير سوى الوجوه، أما السكاكين فهي ذاتها، والضحايا هم أنفسهم، كيف لشعب صنع الحضارة أن يتحول إلى آلة للدمار؟ كيف لأمة خطت التاريخ أن تمحوه بيدها؟

ما يجري ليس صراعاً سياسياً، بل سباق للنهب والسيطرة، سباق بين عصابات مسلحة تتناحر على الفتات، تتاجر بالدين حين يكون السلاح بحاجة إلى مبرر، وتلوح بشعارات الوطنية حين تريد غطاءً لجرائمها. منذ أن تفككت مؤسسات الدولة، أصبح السلاح هو الحاكم الوحيد، وتحول المقاتلون إلى أمراء حرب لا يملكون مشروعاً سوى إدامة القتال، لأن السلام يعني فقدانهم للسلطة، واستمرار الفوضى يضمن لهم بقاء السلاح في أيديهم، واستمرار نهب ما تبقى من البلاد

لم تعد هناك حدود للهمجية، مشاهد مقززة لا يمكن تخيلها تحدث أمام الكاميرات، جنود ميليشيات يقفون بأحذيتهم فوق جثث النساء ويضحكون، رجال يجبرون على الركوع والزحف، منازل تُنهب، وأطفال يُذبحون. لا قوانين، لا أخلاق، لا إنسانية. وحين تخرج أصوات تتحدث عن هذه الجرائم، يظهر المدافعون عن القتلة، يبررون، يخففون من هول المشهد، يتحدثون عن الحرب وكأنها مسألة عادية، وكأن هؤلاء القتلى ليسوا بشراً، وكأن الدم الذي يُسفك ليس دماً

مأساة سوريا ليست في القتل وحده، بل في الطائفية التي نخرت العقول، في الديكتاتورية التي استحلت النفوس، في صراع السلطة الذي أهلك الحرث والنسل. أوهام مقدسة، شعارات زائفة، أيديولوجيات مسمومة، كلها وقود لحرب لا تبقي ولا تذر. كيف لأمة مزقتها الفرقة أن تبني وطناً ؟ كيف لشعب ينهش بعضه أن يواجه أعداءه؟

لهذا صار الجميع يطمع، ولهذا بقيت الجولان أسيرة، ولهذا تمددت إسرائيل، ولهذا صارت سوريا ساحة مستباحة لكل من أراد أن ينهشها. لا أحد يخشى أمة تأكل أبناءها، ولا أحد يحترم من باع نفسه للدمار

ما يجري اليوم في سوريا ليس صراعاً داخلياً، بل مجزرة منظمة. ميليشيات تسفك الدماء وفقاً للانتماء بلا رادع، تذبح بلا رحمة، تغتصب النساء، وتُهجر السكان، وكل هذا باسم قضايا وشعارات لا تعني شيئاً سوى مزيد من الموت. النظام لا يحكم، والمعارضة لا تحكم، والفصائل المسلحة لا تحكم، بل الجميع غارق في مستنقع القتل، ولا أحد يريد الخروج منه، لأن الفوضى هي الضامن الوحيد لبقائهم.

لا يمكن الحديث عن حل سياسي طالما أن الدماء لم تجف، ولا يمكن الحديث عن مصالحة في ظل المجازر. سوريا اليوم ليست بحاجة إلى مؤتمرات دولية باردة، ولا بيانات إدانة جوفاء، بل بحاجة إلى يد توقف هذا النزيف، إلى قوة تقطع الطريق على كل من جعلوا البلاد ساحة مفتوحة لحرب لا تنتهي، كيف يمكن الحديث عن مستقبل لسوريا، والمقابر الجماعية تُحفر كل يوم؟ كيف يمكن الحديث عن حقوق الإنسان، والإنسان يُعدم في الشوارع؟

لا أحد بريء في هذه الحرب، الجميع متورط، سواء من يرفع السلاح ويقتل، أو من يمول ويخطط، أو من يصمت ويراقب، الصمت الدولي ليس حياداً، بل تواطؤ، والحديث عن حلول دبلوماسية وسط هذه الجرائم مجرد نكتة سوداء. لا مستقبل لسوريا طالما أن القتلة لا يُحاسبون، ولا أمل في انتهاء هذه الكارثة إذا استمر العالم في التظاهر بأنه لا يرى ولا يسمع

تم نسخ الرابط