بعد 9 سنوات من الرحيل.. كيف ظل "الجورنالجي" هيكل حياً بين أروقة صاحبة الجلالة؟
الـ 17 من فبراير لعام 2016، هو اليوم الذي رحل فيه "الجورنالجي" محمد حسنين هيكل عالماً، بعد أن أثرى على مدار عقود متتالية المكتبة الصحفية المصرية والعربية.
سنوات "هيكل" داخل بلاط صاحبة الجلالة، لم تكن فقط كأي صحفي قام بنقل ما عاصره من أحداث مختلفة، وإنما يمكن اعتباره كمؤرخ الصحافة العربية، بعد أن بقيت مؤلفاته المختلفة، مرجعاً لكل من أراد فهم أو إدراك طبيعة الأحداث التي مرت بها مصر خاصة والمنطقة بصفة عامة، في كافة الحقب الزمنية تقريباً.
ولد محمد حسنين هيكل في 23 سبتمبر عام 1923، بحي الحسين في محافظة القاهرة، ودرس بمدرسة التجارة المتوسطة، ثم التحق بعدها بالقسم الأوروبي في الجامعة الامريكية بالقاهرة.
كان التحاق هيكل بالقسم الأوروبي في الجامعة الأمريكية، هو البداية الحقيقية له في مجال الصحافة، حيث تعرف أثناء تواجده في القسم بالصحفي سكوت واتسون والذي كان يعمل بصحفية إيجيبشيان جازيت، والذي ساعده في الالتحاق بالجريدة في الـ 8 من فبراير عام 1942.
بداية الصحفي محمد حسنين هيكل كانت في قسم الحوادث بجريدة الإيجيبشيان جازيت، ثم التحق عقبها بالقسم الألماني في الجريدة، وظل بها حتى التحق بمجلة آخر ساعة، وعمل بها في الفترة التي سبقت اندماج المجلة بصحيفة أخبار اليوم، واستمر في العمل بها حتى بعد التحاقها بالجريدة.
عاصر "الأستاذ" خلال سنواته الأولى في العمل بالصحافة الحرب العالمية الثانية، ليشارك في تغطية بعض المعارك التي نشبت خلال تلك الحرب الأشد شراسة على مدار التاريخ، ثم عقب التحاقه بآخر ساعة ظل يتنقل بين دول عدة حول العالم حتى عام إلى مصر عام 1951 ليتولى رئيس تحرير آخر ساعة عن عمر 29 عاماً تقريباً.
مما ترك "الجورنالجي"
ترك "الجورنالجي" إرثاً صحفياً كبيراً على مدار 74 عاماً تواجد خلالها داخل بلاط صاحبة الجلالة، إرثاً تكون من مجموعة مميزة من الكتب والأعمال الصحفية المختلفة من تقارير وتحقيقات وتعطيات إعلامية لأبرز الأحداث سواء على المستوى الداخلي أو الإقليمي أو حتى العالمي.
من بين ما تركه هيكل كانت سلسلة من الكتابات التي يمكن اعتبارها نوعاً من المذكرات والتي كتبها داخل صحيفة الأهرام في تسعينيات القرن الماضي والتي استعرض من خلالها مصر في الفترة من نكسة يونيو عام 1967، وحتى انتصار أكتوبر.
من بين تلك السلسلة هي الحلقة الـ 25 في صحيفة الأهرام والتي نشر بتاريخ 25/6/1990، والتي حملت عنوان الانفجار 1967، حيث تناول الأستاذ صباح نكسة 67.

وذكر الأستاذ، الضربة الجوية الإسرائيلية على عدد من الدول العربية، والتي وصفها بأنها واحدة من دوائر الصراع الهائل في الشرق الأوسط، والتي بدأت وانتهت بهزيمة مؤلمة لمصر والعالم العربي بأسره، وخلال الحلقة، وضع تساؤلاً "أين السوفييت"، وأدرج تحت السؤال واصفاً بأن المؤامرة التي أنشئت كانت أكبر من طاقة مصر، مضيفاً أن وجود مؤامرة لا يجعلنا نخرج هذه الحرب من سياقها التاريخي.
في 15 نوفمبر 1993 نشرت صحيفة الأهرام الحلقة الثانية رصد "الجورنالجي"، المشهد الجليل للقوة العربية تتحرك في الساعة الثانية بعد ظهر 6 أكتوبر، وأول اتصال تليفوني بعد العبور بين الرئيس محمد أنور السادات، والزعيم السوفيتي بريجنيف.

قال هيكل خلال الحلقة الثالثة، على الجبهة المصرية تلاحقت عواصف النار، ضربة طيران، ثم قصف مدفعية، ثم النزول إلى مياه قناة السويس الف قارب مطاطي نقل ثمانية ألف مقاتل هم الموجة الأولى من موجات العبور.
وخلال التقرير رصد هيكل اتصالات أجراها الرئيس الراحل محمد أنور السادات مع عدد من القادة العرب، من بينهم الملك الأردني حسين، ورئيس الجزائري هواري بومدين، والعاهل المغربي الحسن، والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، ورئيس العراق أحمد حسن البكر.
ما ذكرناه لا يتعدى 1% مما تركه الجورنالجي، بل ظل حتى رحل عن عالمنا مرجعاً لـ 7 رؤساء على مدار تاريخ مصر، منذ الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وحتى الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي دعمه الأستاذ معتبراً إياه "مرشح الضرورة".
وفي عام 2003، كتب محمد حسنين هيكل مقالاً بعنوان استئذان بالانصراف، رجاء ودعاء وتقرير ختامي، أعلن من خلاله وقف مقاله الشهير الذي كان يكتبه في جريدة الأهرام والذي كان يحمل عنوان بصراحة، بعد أن نزل السرطان زائراً مستأذناً بأن ينصرف عن بلاط صاحبة الجلالة، وما هو إلا عقد واحد تقريباً حتى أذن القدر للجورنالجي بالرحيل تاركاً صدى قلمه وراءه.



