رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

تحت غبار القرون.. تفاصيل مشروع أعاد إحياء واحدة من روائع العمارة المملوكية بالقاهرة

القبة الضريحية للسلطان
القبة الضريحية للسلطان الأشرف قايتباي

القاهرة ليست مدينة تحفظ في كتب التاريخ فحسب، بل سجل حي تنبض صفحاته بالحضارة كلما امتدت إليها يد ترمم أثرًا أو تنقذ شاهدًا من شواهد الزمن؛ ومن بين كنوزها المعمارية، تعود القبة الضريحية للسلطان الأشرف قايتباي لتروي فصلًا جديدًا من قصة الحفاظ على الهوية.

لغة العمران

فالآثار ليست أحجارًا صامتة تتحدى الزمن، بل هي ذاكرة أمة اختارت أن تروي تاريخها بلغة العمران؛ فكل عملية ترميم لا تعني مجرد إصلاح جدار أو إعادة بريق زخرفة، وإنما تمثل فعلًا حضاريًا يعيد للحاضر صلته بالماضي، ويمنح الأجيال القادمة فرصة لقراءة التاريخ في صورته الأصلية، لا في بقاياه المتهالكة.

ومن هذا المنطلق، وفي قلب القاهرة التاريخية، حيث تمتزج العمارة الإسلامية بعظمة التاريخ، استعادت القبة الضريحية للسلطان الأشرف قايتباي رونقها بعد مشروع ترميم استمر خمس سنوات، لتعود واحدة من أعظم نماذج العمارة المملوكية وأكثرها إبهارًا، في خطوة تؤكد استمرار الدولة المصرية في الحفاظ على تراثها الحضاري وفق أحدث المعايير العلمية.

الافتتاح 

بدأت القصة مع افتتح وزير السياحة والآثار شريف فتحي، يرافقه الدكتور إبراهيم صابر محافظ القاهرة، وروبرت سيلفرمان القائم بأعمال سفير الولايات المتحدة الأمريكية بالقاهرة، القبة الضريحية للسلطان الأشرف قايتباي بمنطقة صحراء المماليك، بعد الانتهاء من مشروع ترميمها، الذي نفذته شركة "أركينوس للهندسة المعمارية" تحت الإشراف الكامل للمجلس الأعلى للآثار، وبتمويل من صندوق السفراء الأمريكي للحفاظ على التراث الثقافي.

فيما لم يكن الافتتاح مجرد تدشين لموقع أثري تم تجديده، بل إعلانًا عن نجاح تجربة جديدة في صون التراث تقوم على تكامل الخبرات المصرية مع الشراكات الدولية، بما يحافظ على أصالة الأثر دون المساس بقيمته التاريخية أو الفنية.

خمس سنوات من العمل

خلف المشهد الهادئ الذي يراه الزائر اليوم، تقف سنوات طويلة من العمل المتواصل والدراسات العلمية الدقيقة، إذ نُفذ مشروع الترميم على مرحلتين رئيسيتين.

بدأت المرحلة الأولى بأعمال التوثيق والدراسات الأثرية، وشملت الرفع المعماري الكامل للقبة، وإعداد الدراسات الفنية والهندسية، وفحص المواد الأصلية المستخدمة في البناء، إلى جانب الترميم الدقيق للقبة النحاسية وكرسي المقرئ، بهدف توثيق الحالة الأصلية للمبنى قبل التدخل.

أما المرحلة الثانية، فقد ركزت على أعمال الترميم والصيانة الشاملة للعناصر المعمارية والزخرفية، باستخدام أحدث التقنيات العلمية ومواد تتوافق مع الطبيعة الأثرية للمبنى، بما يضمن الحفاظ على أصالته التاريخية.

معركة ضد الزمن

لم تكن التحديات التي واجهت فرق الترميم سهلة، فمرور أكثر من خمسة قرون ترك بصماته على عناصر المبنى كافة.

ولهذا، شملت الأعمال تنظيف الكتل الحجرية من التراكمات البيئية، وإزالة آثار الرطوبة والأملاح التي تهدد استقرار الأحجار، مع تدعيم الجدران وحقن الشروخ بمواد متخصصة تعيد إليها تماسكها الإنشائي دون الإضرار بالمكونات الأصلية.

كما نجحت فرق الترميم في إظهار الكتابات القرآنية والزخارف النباتية والهندسية التي كانت قد اختفت تحت تأثير عوامل الزمن، إلى جانب ترميم الشبابيك الجصية واستكمال الأجزاء المفقودة من الزجاج الملون، بما أعاد إلى القبة جزءًا كبيرًا من جمالها الأصلي.

وامتدت الأعمال كذلك إلى صيانة العناصر الخشبية، وترميم الأرضيات الرخامية، وإعادة معالجة زخارف المحراب وتذهيبها وفق الأساليب التقليدية التي تحافظ على القيمة الفنية للمبنى.

تحفة تتحدى القرون

فيما تعد القبة الضريحية للسلطان الأشرف قايتباي واحدة من أبرز جواهر العمارة المملوكية في القاهرة التاريخية، وهي جزء من المجموعة المعمارية التي أنشأها السلطان، والتي تضم المسجد، والسبيل، والكُتّاب، وحوش دفن العتقاء، إلى جانب قبة الكلشني، المعروفة أيضًا بتربة أولاد السلطان.

وتقع القبة ملاصقة لإيوان القبلة، وتتميز بزخارفها الحجرية الدقيقة، وأرضياتها الرخامية الملونة، ومحرابها الغني بالزخارف المذهبة، بينما تعلوها القبة الحجرية الشهيرة التي يلتف حول رقبتها شريط كتابي بخط الثلث البارز، يتضمن آيات قرآنية وينتهي بتاريخ إنشائها عام 879هـ.

وتحتضن القبة قبر السلطان الأشرف قايتباي، وقبر ابنه السلطان محمد قايتباي، كما تضم حجرًا من البازلت الأسود ارتبط عبر العصور باعتقاد شائع بأنه يحمل بصمات قدمي النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو ما أكسب المكان قيمة روحية لدى كثير من الزائرين إلى جانب قيمته التاريخية والمعمارية.

استثمار في المستقبل

فيما أكد وزير السياحة والآثار أن مشروع ترميم القبة يمثل محطة جديدة في مسيرة التعاون الممتدة بين مصر والولايات المتحدة في مجال الحفاظ على التراث الثقافي، مشيرًا إلى أن هذا التعاون لا يقتصر على مشروعات الترميم، بل يشمل أيضًا أعمال البعثات الأثرية، حيث تعمل في مصر نحو خمسين بعثة أثرية أمريكية، إضافة إلى برامج بناء القدرات ودعم المجتمعات المحلية المحيطة بالمواقع الأثرية.

وأوضح أن الوزارة تنظر إلى التراث بوصفه موردًا اقتصاديًا وثقافيًا، لذلك تعمل على ربط مشروعات الترميم بخطط التنمية المستدامة، بما يعزز الأمن الاقتصادي الأثري والسياحي، ويحقق استفادة مباشرة للمجتمعات المحلية.

كما أشار إلى التعاون المشترك في مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، مؤكدًا أن مصر استعادت خلال العام الماضي فقط نحو ستين قطعة أثرية بالتعاون مع الحكومة الأمريكية، في خطوة تعكس التزامًا مشتركًا بحماية التراث الإنساني.

تعاون دولي 

من جانبه، أكد روبرت سيلفرمان، القائم بأعمال سفير الولايات المتحدة بالقاهرة، أن الحفاظ على التراث الثقافي لا يقتصر على حماية الماضي، بل يمثل استثمارًا في المستقبل، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة دعمت في مصر 17 مشروعًا للحفاظ على التراث الثقافي من خلال صندوق السفراء الأمريكي، باستثمارات تجاوزت 3.5 مليون دولار.

وأضاف أن هذه المشروعات تسهم في حماية المباني التاريخية والمواقع الأثرية والمجموعات المتحفية والمخطوطات وغيرها من عناصر التراث، بما يعكس التزامًا طويل الأمد بالحفاظ على الإرث الحضاري المصري.

القاهرة التاريخية

وأكد الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن مشروع ترميم القبة يمثل نموذجًا عالميًا للتكامل بين الخبرات المصرية والتعاون الدولي، موضحًا أن الأعمال التي استغرقت خمس سنوات التزمت بأعلى المعايير العلمية في مجال الترميم، بما يضمن الحفاظ على الأثر للأجيال المقبلة.

وأشار إلى أن كل موقع أثري يُرمم لا يستعيد جماله فحسب، بل يستعيد أيضًا دوره الثقافي والعلمي، من خلال استقبال الباحثين والزائرين، وتعزيز مكانة القاهرة التاريخية باعتبارها إحدى أهم المدن التراثية في العالم.

التراث والرسالة الحضارية

فلتكشف تجربة ترميم القبة الضريحية للسلطان الأشرف قايتباي أن الحفاظ على الآثار لم يعد مجرد واجب تجاه الماضي، بل أصبح مسؤولية تجاه المستقبل؛ فالأمم التي تصون ذاكرتها قادرة على صناعة حاضر أكثر وعيًا، ومستقبل أكثر رسوخًا.

وفي النهاية وبين الأحجار التي استعادت بريقها، والزخارف التي عادت تنطق بجمالها، والكتابات التي خرجت من تحت غبار القرون، تثبت القبة الضريحية للسلطان الأشرف قايتباي أن الزمن قد يترك أثره على الحجر، لكنه لا يستطيع أن يهزم حضارة تعرف كيف تحمي تاريخها، وتمنحه فرصة جديدة ليبقى شاهدًا على عظمة الإنسان وإبداعه عبر العصور.

تم نسخ الرابط