أيمن عدلي يكتب: ارحمونا من فوضى البودكاست
في السنوات الأخيرة، تحول "البودكاست" من وسيلة إعلامية محترمة تقوم على الحوار والمعرفة وتبادل الخبرات، إلى ساحة مفتوحة يدخلها كل من امتلك كاميرا وميكروفونًا، دون تأهيل مهني، أو ثقافة إعلامية، أو حتى إدراك لحجم المسؤولية التي يحملها من يجلس أمام الجمهور.
أصبح البعض يعتقد أن الطريق إلى الشهرة يمر عبر إثارة الجدل، واستضافة شخصيات مثيرة للانقسام، أو إعادة تقديم وجوه انتهى دورها في الحياة العامة، أو الخوض في قضايا شائكة بلا علم ولا مسؤولية، فقط من أجل تحقيق المشاهدات ورفع نسب التفاعل.
وهنا تكمن الخطورة… الإعلام ليس "ترندًا"، وليس سباقًا على عدد المشاهدات، وليس حلبة للمزايدات أو تصفية الحسابات أو صناعة الضجيج. الإعلام رسالة، وصناعة وعي، وأحد أهم أدوات حماية المجتمع وتعزيز استقراره.
لقد قال العالم الكبير الدكتور عبد المنعم المشاط كلمة يجب أن تُكتب بماء الذهب: "الإعلام هو صورة مصر بره وجوه."
وهنا يفرض السؤال نفسه: هل هذه هي الصورة التي نريد أن نقدمها عن مصر؟ هل نريد أن يرى العالم إعلامًا يلهث خلف الإثارة أكثر مما يبحث عن الحقيقة؟ وهل نقبل أن تصبح المنصات الإعلامية مساحة لكل من يبحث عن الشهرة بأي ثمن؟
إن أخطر ما في فوضى البودكاست ليس اختلاف الآراء، فالاختلاف سنة الحياة، وإنما غياب المعايير. لا توجد ضوابط مهنية، ولا مواثيق أخلاقية يلتزم بها البعض، ولا إدراك بأن الكلمة قد تبني وطنًا أو تهدم وعيًا.
لقد وجد قطاع كبير من الجمهور ضالته في وسائل التواصل الاجتماعي، ليس لأنها تقدم الأفضل دائمًا، ولكن لأن الإعلام التقليدي لم ينجح في تطوير أدواته بالقدر الكافي، ولم يستثمر بما يكفي في المحتوى الجاد والجذاب. وإذا أردنا استعادة الجمهور، فلا يكون ذلك بملاحقة الإثارة، بل بصناعة إعلام يحترم عقل الناس ويقدم لهم قيمة حقيقية.
إن الإعلام قضية أمن قومي، وليس مجرد صناعة ترفيهية. ومن يدرس الأمن القومي يدرك أن الإعلام شريك أساسي في حماية الدولة، ومواجهة الشائعات، وبناء الثقة، وتعزيز الانتماء الوطني. ولذلك فإن ترك الساحة للفوضى، ولمن لا يمتلكون الحد الأدنى من التأهيل، ليس أمرًا بسيطًا كما يتصور البعض.
لسنا ضد البودكاست، بل على العكس، فهو من أهم أدوات الإعلام الحديث عندما يُدار باحتراف، ويستضيف أصحاب الخبرة والكفاءة، ويطرح قضايا المجتمع بموضوعية واحترام. لكننا ضد تحويله إلى منصة للفوضى، أو وسيلة لاختطاف اهتمام الناس عبر الإثارة الرخيصة.
نحن بحاجة إلى عودة قيمة المذيع الحقيقي، والمحاور المثقف، والإعداد الجيد، والبحث الدقيق، واحترام عقل المشاهد. فليس كل من أمسك ميكروفونًا أصبح إعلاميًا، كما أن كثرة المشاهدات لا تعني جودة المحتوى.
كفى عبثًا... وارحمونا من فوضى البودكاست.
فالإعلام ليس وسيلة للشهرة، بل مسؤولية أمام الوطن والتاريخ والأجيال القادمة.
وللأسف، أصبح البعض يتصور أن مجرد تعثره في العمل الإعلامي التقليدي أو عدم نجاحه في بناء تجربة مهنية حقيقية، يكفي ليفتتح برنامج "بودكاست" ويقدم نفسه باعتباره إعلاميًا مؤثرًا.
وبدلًا من البحث عن أصحاب الفكر والخبرة، يتجه بعض مقدمي هذه البرامج إلى استضافة شخصيات مثيرة للجدل أو شخصيات تراجعت مكانتها في الحياة العامة، فقط لأنها قادرة على إثارة الضجيج وتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة. فيتحول المحتوى من صناعة للوعي إلى صناعة للجدل، ومن البحث عن الحقيقة إلى البحث عن "الترند".
وهنا تكون الخسارة أكبر من مجرد حلقة أو برنامج، لأن الإعلام عندما يتخلى عن رسالته ويصبح أسير الإثارة، فإنه يربك الرأي العام، ويشوش الوعي، ويقدم صورة لا تليق بمصر ولا بتاريخها الإعلامي.

