بين التكنولوجيا والماشية والألبان.. مشروع يعيد تعريف مفهوم الأمن الغذائي في مصر
لم يعد الأمن الغذائي في عالم اليوم مجرد شعار اقتصادي أو هدف تنموي، بل أصبح أحد أهم مقومات السيادة الوطنية والاستقرار الاجتماعي.
فالدول التي تمتلك القدرة على إنتاج غذائها تمتلك في الوقت ذاته قدرة أكبر على مواجهة الأزمات العالمية، والتقلبات الاقتصادية، واضطرابات سلاسل الإمداد التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة.

الأمن الغذائي
ومن هنا، لم تعد مشروعات الإنتاج الحيواني مجرد مزارع لتربية الماشية، بل تحولت إلى منظومات إنتاجية متكاملة، تتقاطع فيها الزراعة مع الصناعة، والبحث العلمي مع التكنولوجيا، والإدارة الحديثة مع متطلبات التنمية المستدامة.
وفي هذا الإطار، جاءت الجولة التي قام بها الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، لتفقد محطة الإنتاج الحيواني وتصنيع الألبان التابعة لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، الواقعة عند مدخل الكيلو 113 بطريق القاهرة – الإسكندرية الصحراوي، ضمن جولته بعدد من مشروعات الإنتاج الزراعي والحيواني بمحافظات الجيزة والمنوفية والبحيرة، لتؤكد أن الدولة لا تنظر إلى هذا القطاع باعتباره نشاطًا زراعيًا فحسب، بل باعتباره أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، وركيزة رئيسية لتحقيق الأمن الغذائي.
معركة تدار بالإنتاج
منذ عقود، ارتبط مفهوم الأمن القومي بالقدرات العسكرية والسياسية، غير أن التحولات العالمية أثبتت أن الغذاء أصبح أحد أهم أدوات القوة، وأن الدول التي تعجز عن توفير احتياجاتها الغذائية تظل رهينة للمتغيرات الخارجية.
ولهذا أكد الدكتور مصطفى مدبولي، خلال جولته، أن الحكومة تولي قطاع الإنتاج الحيواني اهتمامًا بالغًا، باعتباره أحد أهم الأسس المحورية لتحقيق التنمية الاقتصادية وتعزيز الأمن الغذائي، مشيرًا إلى أن الدولة تتبنى استراتيجية تقوم على التوسع في المشروعات الإنتاجية، وتحسين السلالات، وزيادة كفاءة التشغيل، وتطبيق أحدث معايير الجودة والاستدامة البيئية.
ويعكس هذا التوجه تحولًا في فلسفة إدارة القطاع الزراعي، حيث لم يعد الهدف زيادة أعداد الماشية فقط، وإنما رفع إنتاجيتها وتحسين جودة منتجاتها، بما يضمن تحقيق أقصى استفادة من الموارد المتاحة.

طفرة في الإنتاج
وخلال الجولة، استعرض علاء فاروق، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، مؤشرات الأداء التي حققها قطاع الإنتاج الحيواني، مؤكدًا أن القطاع يشهد طفرة تنموية غير مسبوقة بفضل الدعم المستمر من القيادة السياسية.
وأوضح الوزير أن إنتاج مصر من اللحوم الحمراء ارتفع ليصل إلى نحو 600 ألف طن، في حين بلغ إنتاج الألبان الطازجة نحو 7 ملايين طن، محققًا زيادة بلغت 8% في كلا القطاعين مقارنة بالعام السابق.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأنها تعكس قدرة الدولة على تقليص الفجوة الغذائية، وتعزيز الاعتماد على الإنتاج المحلي، وهو ما أسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل من الألبان بنسبة 100%، مع بدء تصدير الفائض في صورة منتجات مصنعة ذات قيمة مضافة، وهو ما يمثل انتقالًا من مرحلة الإنتاج لتلبية الاحتياجات المحلية إلى مرحلة المنافسة في الأسواق الخارجية.
مصنع متكامل
وربما تكمن خصوصية محطة الإنتاج الحيواني في أنها لا تعتمد على مفهوم المزرعة التقليدية، بل تمثل منظومة إنتاجية متكاملة تبدأ من تربية الماشية، مرورًا بإنتاج الألبان، وانتهاءً بتصنيع المنتجات وتسويقها للمستهلك.
وأكد وزير الزراعة أن المحطة تمثل نموذجًا عمليًا لخطة الوزارة في تحسين السلالات المحلية، ورفع الكفاءة الإنتاجية، حيث تم تزويدها بأحدث التقنيات، بما يشمل المحالب الآلية الرقمية، وأنظمة التبريد الحديثة، والمراوح داخل الحظائر لتوفير بيئة صحية ومناسبة للماشية، بما ينعكس مباشرة على جودة الإنتاج وكميته.
كما يضم المشروع مصنعًا متكاملًا لإنتاج الجبن الموتزاريلا، والجبن الدمياطي، والجبن القريش، والزبادي، والزبدة، مع طرح هذه المنتجات عبر المنافذ التسويقية التابعة للوزارة بأسعار تنافسية، بما يسهم في توفير منتجات غذائية عالية الجودة للمواطنين.

أرقام تكشف حجم الإمكانات
وخلال الجولة، قدم الدكتور هاني درويش، رئيس جهاز تحسين الأراضي والمدير التنفيذي للمشروع، عرضًا تفصيليًا حول إمكانات المحطة، موضحًا أنها مقامة على مساحة تبلغ 6 أفدنة، وتضم 608 رؤوس من الماشية تشمل سلالات متميزة من أبقار فريزيان هولشتاين، المعروفة بإنتاجيتها المرتفعة من الألبان، إلى جانب جاموس خليط إيطالي يتميز بكفاءة إنتاجية عالية.
ولا تتوقف إمكانات المشروع عند الثروة الحيوانية فقط، بل تشمل أيضًا محلبًا آليًا متطورًا، ومصنعًا متكاملًا لتصنيع الألبان والجبن، بالإضافة إلى منظومة حديثة لتخزين الأعلاف تعتمد على أربعة بنكرات سيلاج تمنع اختلاط الأعلاف بالتربة، وتقلل الفاقد بنسبة تزيد على 15%، مع قدرة تخزينية تصل إلى 6000 طن.
وتعكس هذه الأرقام حجم الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة في إدارة المشروع، حيث أصبح تحسين الكفاءة لا يقل أهمية عن زيادة الإنتاج.
التكنولوجيا شريك التنمية
لقد تغيرت صورة المزرعة في القرن الحادي والعشرين. فلم تعد تعتمد فقط على الخبرة التقليدية، بل أصبحت التكنولوجيا عنصرًا أساسيًا في كل مرحلة من مراحل الإنتاج.
فالأنظمة الرقمية المستخدمة في المحالب، وتقنيات التبريد، وإدارة التغذية، وأنظمة مراقبة صحة الحيوانات، كلها تسهم في رفع الإنتاجية وتقليل الفاقد وتحسين جودة المنتجات.
وهذا التحول يؤكد أن الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية لم يعد رفاهية، وإنما ضرورة لضمان استدامة الإنتاج، خاصة في ظل محدودية الموارد الطبيعية، وارتفاع الطلب على الغذاء.

من الإنتاج للقيمة المضافة
ويؤكد خبراء الاقتصاد الزراعي أن القيمة الحقيقية لا تتحقق عند إنتاج اللبن الخام، وإنما عند تحويله إلى منتجات صناعية ذات قيمة مضافة.
ولهذا جاءت فلسفة المشروع قائمة على التكامل بين الإنتاج والتصنيع والتسويق، بحيث لا تخرج المادة الخام من المحطة قبل تحويلها إلى منتجات متنوعة تلبي احتياجات السوق، وتحقق عائدًا اقتصاديًا أعلى.
ويمثل هذا النموذج خطوة مهمة نحو تعزيز الصناعات الغذائية الوطنية، وتقليل الاعتماد على الواردات، وزيادة فرص التصدير.
دعم القطاع الخاص
وفي ختام جولته، أكد رئيس مجلس الوزراء أن المحطة تمثل نموذجًا متكاملًا يجمع بين تربية الماشية، وتصنيع الألبان، والتسويق المباشر، بما يجسد توجه الدولة نحو تعظيم الاستفادة من أصولها، وتوفير منتجات غذائية صحية وآمنة للمواطنين.
وأشار إلى أن الحكومة مستمرة في تقديم الدعم اللازم لتعميم هذه النماذج الناجحة، والتوسع في تنفيذها، مع تعزيز الشراكات الإنتاجية مع القطاع الخاص في مختلف المحافظات، بما يضمن زيادة الإنتاج، وخلق فرص عمل جديدة، وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات المصرية.

رؤية تتجاوز الحاضر
وفي النهاية فإن محطة الإنتاج الحيواني وتصنيع الألبان ليست مجرد مشروع حكومي، بل تعبير عن رؤية تنموية ترى أن الأمن الغذائي يبدأ من التخطيط العلمي، وأن الثروة الحيوانية ليست أرقامًا في سجلات الإنتاج، وإنما استثمار طويل الأجل في صحة الإنسان واستقرار المجتمع.
فالاقتصاد الذي ينتج غذاءه يمتلك قدرًا أكبر من الاستقلال، والمجتمع الذي يضمن احتياجاته الأساسية يصبح أكثر قدرة على مواجهة الأزمات. ومن هنا، تبدو هذه المحطة نموذجًا لما يمكن أن تصنعه الإرادة السياسية عندما تلتقي بالعلم والإدارة الحديثة؛ إذ تتحول المزرعة إلى منظومة إنتاجية متكاملة، ويتحول اللبن إلى صناعة، وتتحول التنمية إلى واقع يلامس حياة المواطنين، ويؤسس لمستقبل أكثر أمنًا واستدامة.



