لم تكن مجرد رحلة مجانية..كيف تحول المونوريل إلى درس في الوعي والانتماء؟
ليست كل الرحلات تقاس بعدد الكيلومترات التي تقطعها، فهناك رحلات تبدأ من محطة وتنتهي عند أخرى، لكنها تترك أثرًا يمتد سنوات في الذاكرة؛ فهناك رحلات أخرى لا تنقل الركاب من مكان إلى آخر فحسب، بل تنقل أفكارهم، وتعيد تشكيل نظرتهم إلى المستقبل.

هكذا بدت الرحلة المجانية التي نظمها مشروع مونوريل شرق النيل لأطفال كنيسة مارجرجس بمدينة قويسنا؛ رحلة قصيرة في الزمن، لكنها عميقة في معناها، حملت الأطفال على متن أحد أحدث مشروعات النقل الذكي في مصر، لتفتح أمامهم نافذة واسعة على عالم التكنولوجيا والتنمية والاستدامة.

في إطار توجه وزارة النقل نحو تعزيز مسؤوليتها المجتمعية، وترسيخ ثقافة النقل الجماعي الحديث لدى الأجيال الجديدة، استقبل مشروع مونوريل شرق النيل وفدًا من أطفال كنيسة مارجرجس في زيارة جمعت بين الترفيه والتثقيف، لتتحول عربات المونوريل إلى قاعات مفتوحة للتعلم، تتحرك فوق المدينة وهي تحمل معها رسائل تتجاوز مجرد الانتقال من محطة إلى أخرى.

بدأت الرحلة من محطة مدينة الفنون والثقافة، إحدى المحطات التي تعكس ملامح العاصمة الإدارية الجديدة، حيث استقل الأطفال القطار في أجواء امتزجت فيها الدهشة بالفضول. وما إن انطلقت العربات بهدوء فوق المسار المرتفع حتى بدأت رحلة مختلفة؛ رحلة يرى فيها الأطفال المدينة من زاوية جديدة، وتصبح النافذة شاشة مفتوحة تعرض ملامح مصر الحديثة وهي تتشكل أمام أعينهم.

امتدت الرحلة حتى محطة الإستاد، قبل أن تعود مرة أخرى إلى محطة مدينة الفنون والثقافة، لكن المسافة التي قطعها القطار لم تكن هي الرحلة الحقيقية، بل كانت الرحلة التي عاشها الأطفال داخل عقولهم. فقد تعرفوا عن قرب على مفهوم وسائل النقل الذكية، وكيف يمكن للتكنولوجيا أن تجعل التنقل أكثر أمانًا وسرعة واستدامة، وكيف تتحول وسائل المواصلات من مجرد خدمة يومية إلى جزء من رؤية تنموية متكاملة.

ولعل القيمة الحقيقية لهذه المبادرة تكمن في أن الطفل يتعلم بالتجربة أكثر مما يتعلم بالكلمات. فما شاهده الأطفال داخل المونوريل من أنظمة تشغيل متطورة، ومستويات عالية من النظافة والانضباط، وتقنيات حديثة للتحكم والسلامة، قدم لهم درسًا عمليًا في معنى التخطيط للمستقبل، وأهمية الاستثمار في الإنسان قبل الحجر.

وتعكس هذه الرحلة فلسفة أعمق من مجرد تعريف الأطفال بمشروع قومي؛ فهي تؤكد أن التنمية ليست إنشاء طرق أو محطات فحسب، وإنما هي أيضًا بناء وعي مجتمعي يدرك قيمة هذه المشروعات ويحافظ عليها. فالطفل الذي يخوض هذه التجربة اليوم، قد يصبح غدًا مواطنًا أكثر وعيًا بأهمية النقل الجماعي، وأكثر حرصًا على البيئة، وأكثر إدراكًا لدور التكنولوجيا في تحسين جودة الحياة.

ويمثل مونوريل شرق النيل أحد أبرز مشروعات النقل الجماعي الحديثة في مصر، حيث يعتمد على تكنولوجيا متقدمة تسهم في تقليل الانبعاثات الكربونية، وتخفيف الازدحام المروري، وتوفير وسيلة نقل آمنة وسريعة تربط بين المدن والمناطق العمرانية الجديدة. ومن ثم، فإن تعريف الأطفال بهذه المنظومة في سن مبكرة يرسخ لديهم ثقافة الاعتماد على وسائل النقل المستدامة، ويغرس في نفوسهم قيم المحافظة على البيئة والممتلكات العامة.

وخلال الرحلة، بدت ملامح السعادة واضحة على وجوه الأطفال، الذين لم يخفوا إعجابهم بالتجربة الفريدة، بينما حرص المشرفون على الإجابة عن استفساراتهم حول طريقة تشغيل المونوريل، وسرعة القطار، وأنظمة الأمان المستخدمة، وكيفية مساهمة هذه المشروعات في تسهيل حياة المواطنين.

كما عبّر مرافقو الأطفال عن تقديرهم لهذه المبادرة، مؤكدين أن مثل هذه الزيارات تترك أثرًا تربويًا يفوق أثر كثير من الدروس النظرية، لأنها تمنح الأطفال فرصة للتفاعل المباشر مع أحد الإنجازات القومية، وتربطهم بما تشهده مصر من تطور في البنية التحتية ووسائل النقل الحديثة.

وفي النهاية، ربما لم تستغرق الرحلة سوى وقت قصير، ولم تتجاوز مسارًا يبدأ من محطة مدينة الفنون والثقافة إلى محطة الإستاد ثم يعود إلى نقطة الانطلاق، لكنها في حقيقتها كانت رحلة نحو المستقبل، حملت أطفالًا صغارًا على متن قطار حديث، وأعادتهم محملين بصورة مختلفة عن وطنهم؛ صورة تؤكد أن التنمية ليست مجرد مشروعات تُقام، بل رسالة تُروى للأجيال، وتجربة تُعاش، وحلم يتحول إلى واقع على قضبان تمتد نحو الغد.













