16 مليون جنيه أعادت إليه الحياة.. تعرف على المسجد الذي صلى فيه ملوك مصر
في قلب القاهرة التاريخية، وعلى مقربة من قصر عابدين، يقف جامع الفتح الملكي شاهدًا على حقبة مهمة من تاريخ العمارة الإسلامية في مصر، حيث يمتزج الطراز المعماري الفريد بالإرث الملكي والديني في آن واحد.
ويُعد المسجد أحد أبرز المساجد التاريخية المرتبطة بقصر عابدين، إذ شهد عبر ما يقرب من ثلاثة قرون مراحل متعددة من الإنشاء والتطوير والترميم، حتى استعاد في السنوات الأخيرة رونقه المعماري بعد تنفيذ مشروع ترميم شامل بلغت تكلفته نحو 16 مليون جنيه.
لم يكن مشروع الترميم مجرد أعمال صيانة تقليدية، بل مثّل عملية دقيقة استهدفت الحفاظ على القيمة التاريخية والأثرية للمسجد، مع تزويده في الوقت نفسه بالتجهيزات الحديثة التي تضمن استمرار أداء رسالته الدينية والحضارية، ليظل واحدًا من أهم المعالم الإسلامية في العاصمة المصرية.

من زاوية صغيرة لجامع ملكي
تعود جذور المسجد إلى عام 1728م، حين أنشأه الأمير عابدين بك، أمير اللواء السلطاني، الذي كان يمتلك قصرًا في المنطقة؛ وكان يجاور القصر آنذاك مسجد صغير يُعرف باسم "زاوية الفتح"، فقرر الأمير إعادة بنائه وتوسيعه وتحويله إلى مسجد جامع يليق بمكانة المنطقة، كما أوقف عليه عددًا من الأوقاف لضمان استمرارية رسالته الدينية والخدمية، فأصبح يُعرف باسم "جامع عابدين".
ومع تولي الخديوي إسماعيل الحكم في القرن التاسع عشر، شهدت المنطقة تحولًا عمرانيًا كبيرًا، حيث أُزيل القصر القديم للأمير عابدين لإقامة قصر عابدين الحالي، أحد أهم القصور الملكية في مصر. وأصبح المسجد داخل حدود القصر الملكي ومتداخلًا مع حديقته، الأمر الذي أكسبه أهمية خاصة، إذ خُصص له مدخل ملكي يصل مباشرة بين المسجد وحديقة القصر، ليستخدمه أفراد الأسرة الحاكمة في أداء الصلوات والمناسبات الدينية.
وفي تلك الفترة توسعت مساحة المسجد بصورة ملحوظة، بعدما أضيفت إليه أجزاء من أرض السراي، لتصل مساحته إلى نحو 1246 مترًا مربعًا، كما أصبح يُعرف باسم "جامع الفتح الملكي"، في إشارة إلى مكانته الجديدة وعلاقته المباشرة بالقصر الملكي.

تجديد شامل
شهد المسجد محطة مهمة أخرى في تاريخه خلال عام 1918م، عندما أمر الملك فؤاد الأول بإجراء عملية تجديد شاملة للمسجد، مع الحرص على الحفاظ على عناصره المعمارية الأصيلة، وعلى رأسها المئذنة التاريخية والمدخل الرئيسي القديم، وهو ما أسهم في صون هويته التاريخية مع تطوير مرافقه بما يتناسب مع العصر.
ومنذ ذلك الحين ظل المسجد يؤدي دوره الديني، إلى أن استدعت عوامل الزمن تنفيذ مشروع ترميم متكامل يعيد إليه جماله المعماري ويحافظ على مكوناته الأثرية.
مشروع الترميم
جاء مشروع الترميم الأخير ليعيد الحياة إلى أحد أهم المساجد التاريخية بالقاهرة، حيث بلغت تكلفة الأعمال نحو 16 مليون جنيه، وشملت جميع العناصر الإنشائية والزخرفية والمعمارية.

وتضمنت أعمال الترميم تنظيف وصيانة الأرضيات الرخامية بصحن المسجد، وترميم التجاليد الرخامية التي تغطي الجدران الداخلية، إضافة إلى تنظيف وصيانة الأعمدة الرخامية والجرانيتية التي تحمل القبة الرئيسية، مع إعادة تأهيل المنبر الرخامي والمحراب بما يتوافق مع طبيعتهما الأثرية.
وامتدت أعمال الترميم إلى القباب والقبابات الداخلية، حيث جرى تنظيفها وترميم زخارفها الدقيقة وإنهاء أعمال التذهيب والزخرفة التي تميزها، بما أعاد إليها بريقها الأصلي بعد سنوات طويلة من التأثر بعوامل الزمن.

كما شملت الأعمال تحديث منظومة الخدمات داخل المسجد، من خلال تركيب نظام صوتي حديث، ووحدات إضاءة داخلية تتناسب مع الطابع المعماري للمكان، إلى جانب تركيب كاميرات مراقبة لتعزيز عوامل التأمين والحفاظ على الأثر.
ولم تقتصر أعمال التطوير على الداخل، بل امتدت إلى الواجهات الخارجية، حيث جرى تنظيف الأحجار الأثرية، وترميم المئذنة، وصيانة القباب النحاسية الموجودة فوق الأسطح، فضلًا عن تنفيذ أعمال العزل لأرضيات الأسطح، وتركيب أرضيات حجرية جديدة بالموقع العام عند المدخل الرئيسي، مع استكمال منظومة الإضاءة الخارجية التي أبرزت جمال الواجهة التاريخية للمسجد.

بين الفخامة والبساطة
فيما يتميز جامع الفتح الملكي بتخطيط معماري يعكس سمات العمارة الإسلامية في العصر العثماني، حيث يتكون من مربع رئيسي يمثل بيت الصلاة، يبلغ طول ضلعه نحو 17 مترًا، ويتوسطه فضاء واسع تعلوه قبة رئيسية كبيرة مصنوعة من النحاس.
وتستند القبة إلى أربعة عقود ضخمة ترتكز بدورها على أربعة أعمدة من الجرانيت الأحمر، زُينت تيجانها بالنقوش والزخارف المذهبة، بينما تحيط برقبة القبة كتابات قرآنية منفذة بخط عربي بديع، تضفي على المكان روحانية وجمالًا فريدين.

وتحيط بالمربع الرئيسي أربع قباب صغيرة تغطي الأركان، وقد زخرفت من الداخل بنقوش مموهة بالذهب، في تناغم فني يعكس مهارة الصناع الذين شاركوا في تشييد المسجد.
أما جدار القبلة، فيتوسطه محراب مكسو بالرخام الملون، يجاوره منبر رخامي بديع الصنع، في حين تغطي جدران المسجد من الداخل وزرة من الرخام متعدد الألوان، بينما فرشت الأرضيات برخام ملون يشكل وحدات هندسية متناسقة تضفي مزيدًا من الفخامة على بيت الصلاة.

تحف فنية نادرة
فيما يحظى المسجد بنظام إضاءة يعد من أبرز عناصره الجمالية، إذ تتوسط القبة الرئيسية ثريا كبيرة مصنوعة من النحاس المفرغ، تتميز بزخارف هندسية ونباتية دقيقة، وتتدلى من القبة بواسطة سلاسل نحاسية، بينما تنتشر أسفل العقود ثريات أصغر حجمًا تكمل المشهد الفني للمكان.
وكذا يضم المسجد أيضًا كرسيًا للمقرئ مصنوعًا من الخشب المطعم بالعاج والصدف، يقع في الجهة الشمالية الغربية، ويعد من القطع الفنية النادرة داخل المسجد، إلى جانب دكة المبلغ الخشبية المزودة بدرابزين من الخرط الميموني والمسدس الدقيق، والتي ترتكز على ثمانية أعمدة من الرخام، بما يعكس مستوى رفيعًا من الحرفية في صناعة الأخشاب والزخارف الإسلامية.

واجهات ذات طابع ملكي
فيا تتجه الواجهة الرئيسية للمسجد نحو الغرب، مطلة على حديقة قصر عابدين، ويبلغ ارتفاعها نحو 15.70 مترًا، ويتوسطها المدخل الملكي الذي كان يربط المسجد مباشرة بحديقة القصر، بينما يوجد المدخل الثاني المطل على شارع عابدين، ليخدم المصلين والزائرين.
أما المئذنة فتقع في الركن الجنوبي الشرقي، وتعد من العناصر الأصلية التي احتُفظ بها خلال جميع مراحل التجديد، لما تمثله من قيمة تاريخية ومعمارية.
كما أُلحق بالمسجد ثلاث مجموعات من المباني في الجهات الغربية والجنوبية والشرقية، تضم أروقة ودهاليز وغرفًا متعددة الوظائف، كانت تستخدم لخدمة الأنشطة الدينية والإدارية المرتبطة بالمسجد.

شاهد على تاريخ القاهرة
وفي النهاية فجامع الفتح الملكي يمثل اليوم أكثر من مجرد مسجد تاريخي؛ فهو سجل معماري يوثق مراحل متعاقبة من تاريخ القاهرة، بدءًا من عهد الأمير عابدين بك، مرورًا بعصر الخديو إسماعيل والملكية المصرية، وصولًا إلى جهود الدولة الحديثة في الحفاظ على التراث الإسلامي.
وقد أسهم مشروع الترميم الأخير في إعادة المسجد إلى مكانته اللائقة، ليس فقط باعتباره دارًا للعبادة، وإنما أيضًا بوصفه معلمًا أثريًا وثقافيًا يعكس عظمة العمارة الإسلامية المصرية، ويؤكد أهمية الحفاظ على التراث الوطني باعتباره جزءًا أصيلًا من هوية مصر وتاريخها الممتد عبر القرون.



