رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

من عبق الفاطميين إلى أحدث التقنيات.. رحلة خفية لإحياء أحد أقدس معالم القاهرة

ارشيفية
ارشيفية

في قلب القاهرة التاريخية، حيث تتعانق أصوات المآذن مع حكايات القرون الماضية، يقف مسجد الإمام الحسين بن علي شاهدًا على تاريخ طويل من الروحانية والعمران والفن الإسلامي.

فهذا المسجد العريق لم يكن مجرد مكان للعبادة، بل ظل عبر مئات السنين أحد أبرز المعالم الدينية والتراثية التي ارتبطت بوجدان المصريين والزائرين من مختلف أنحاء العالم.

ومع مرور الزمن، جاءت أعمال التطوير الشاملة للمسجد لتعيد تقديم هذا الصرح التاريخي بصورة تليق بمكانته، من خلال مشروع متكامل استهدف الحفاظ على القيمة الأثرية للمكان، ورفع كفاءة الخدمات المقدمة للمصلين والزوار، مع الالتزام الكامل بالحفاظ على الطابع المعماري والتراثي للمسجد.

تطوير بتكلفة 150 مليون

وكان شهد مسجد الإمام الحسين أعمال تطوير وتجديد واسعة بلغت تكلفتها نحو 150 مليون جنيه، وتم افتتاحه رسميًا في شهر أبريل عام 2022، بعد الانتهاء من تنفيذ خطة متكاملة شملت مختلف عناصر المسجد الداخلية والخارجية.

واستهدفت أعمال التطوير تحديث البنية التحتية، ورفع كفاءة شبكات الكهرباء، وتحسين أنظمة الصوت والإضاءة، وتطوير أنظمة التكييف، إلى جانب إعادة تأهيل الساحات المحيطة بالمسجد بما يتناسب مع مكانته كأحد أهم المقاصد الدينية والسياحية في القاهرة.

وشملت الأعمال ترميم وتجديد الضريح وحجرة المقتنيات مع الحفاظ على العناصر الأثرية دون المساس بها، حيث تم تنفيذ أعمال الطلاء والتشطيبات اللازمة للمقصورة بما يتناسب مع الطابع الفاطمي المميز للمسجد.

تحديث البنية التحتية

وركز مشروع التطوير على تحديث جميع المرافق الأساسية داخل المسجد، حيث تم تغيير شبكة الكهرباء بالكامل ورفع قدرتها إلى 75 كيلو فولت أمبير، بما يضمن تشغيل الأنظمة الحديثة بكفاءة عالية.

كما تم تركيب نظام تكييف مركزي متطور، وإجراء أعمال العزل الحراري والرطوبة للأسطح، إلى جانب تحديث أنظمة الإضاءة الداخلية والخارجية، وتزويد المسجد بأحدث أنظمة الصوت التي تضاهي المعايير العالمية.

فيما لم تقتصر أعمال التطوير على الجوانب الفنية فقط، بل شملت أيضًا تحسين مستوى الخدمات المقدمة للمصلين، حيث تم إنشاء مصعد هيدروليكي لخدمة كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، بطاقة تحمل تصل إلى 500 كيلوجرام.

توسعة لخدمة المصلين

وكان شهد المسجد توسعات مهمة ضمن خطة التطوير، من بينها زيادة مساحة المصلى الخاص بالسيدات ليصبح قادرًا على استيعاب نحو 450 سيدة، بما يوفر بيئة أكثر راحة وتنظيمًا للزائرات.

كما تم تطوير الساحة الخارجية للمسجد بإضافة مساحة تصل إلى 4 آلاف متر مربع تستوعب نحو 3 آلاف مصل، مع تركيب أرضيات رخامية وتوحيد شكل الإضاءة والواجهات المحيطة بالميدان، ضمن مشروع تطوير القاهرة التاريخية.

وشملت الأعمال إنشاء سور محيط بالمسجد يضم 6 بوابات، منها 4 بوابات مخصصة للسيارات، بهدف تنظيم حركة الدخول والخروج، إلى جانب تجهيز قبلة خارجية ومنبر لإقامة صلاة الأعياد والمناسبات الكبرى في الساحات الخارجية.

القيمة الأثرية للمسجد

حرص مشروع التطوير على تحقيق معادلة دقيقة بين تحديث الخدمات والحفاظ على القيمة التاريخية للمكان، حيث تم تنفيذ أعمال الترميم دون الاقتراب من العناصر الأثرية الأصلية.

وشارك في أعمال رفع الكفاءة متخصصون من فرع المقاولون العرب للترميمات الأثرية، وهم من الفرق التي تعمل في عدد كبير من المشروعات والمتاحف والمواقع الأثرية، لضمان تنفيذ الأعمال وفق الأساليب العلمية المتخصصة.

كما تم الحفاظ على جميع المقتنيات والآثار الموجودة داخل المسجد، مع الاكتفاء برفع كفاءة أنظمة الحماية والتكييف داخل القبة دون إجراء أي تغييرات تمس طبيعتها التاريخية.

تاريخ يتخطى ثمانية قرون

يرجع تاريخ إنشاء مسجد الإمام الحسين إلى العصر الفاطمي، حيث شُيد عام 549 هجرية الموافق 1154 ميلادية، تحت إشراف الوزير الصالح طلائع.

ويضم المسجد عددًا من العناصر المعمارية المميزة، من بينها ثلاثة أبواب مبنية من الرخام الأبيض تطل على منطقة خان الخليلي، بالإضافة إلى باب آخر بجوار القبة يعرف باسم "الباب الأخضر".

وخلال العصور التالية، شهد المسجد العديد من أعمال التوسعة والتجديد، حيث أنشأ صلاح الدين الأيوبي مدرسة بجوار الضريح عام 1171م عُرفت باسم "المشهد"، ثم شهد المسجد تطورات معمارية أخرى خلال العصر الأيوبي.

وفي عهد الخديوي إسماعيل، صدر أمر بتجديد المشهد وتوسعته وبناء المسجد الحالي، حيث اكتمل بناء الجامع عام 1873م، ثم شُيدت مئذنته الحالية عام 1878م على الطراز العثماني.

كما شهد عهد الخديوي عباس حلمي الثاني إنشاء غرفة خاصة لحفظ المقتنيات النبوية الشريفة عام 1893م، والتي تضم عددًا من الآثار المنسوبة إلى النبي محمد ﷺ، إلى جانب مصاحف شريفة منسوبة إلى عدد من الصحابة.

لماذا سمي بمسجد الحسين؟

ارتبط اسم المسجد بروايات تاريخية تشير إلى وجود رأس الإمام الحسين بن علي رضي الله عنه مدفونًا في هذا المكان، حيث تذكر بعض الروايات أن الرأس الشريف نُقل من مدينة عسقلان بفلسطين إلى مصر خلال العصر الفاطمي، خوفًا عليه من الأخطار التي كانت تهدد المنطقة آنذاك.

ومنذ ذلك الوقت أصبح المسجد مقصدًا روحيًا مهمًا، يجتمع فيه التاريخ بالروحانية، ويحظى بمكانة خاصة لدى المصريين وزوار القاهرة.

تحفة بقلب القاهرة

فيما يتميز المسجد بتصميم معماري يجمع بين الطرز الإسلامية المختلفة، فهو مبني بالحجر الأحمر، ويضم خمسة صفوف من العقود المحمولة على أعمدة رخامية، كما يتميز بمحرابه المصنوع من قطع القيشاني الملون، ومنبره الخشبي الفريد.

أما مئذنته فتقع في الركن الغربي القبلي، وقد شُيدت على الطراز العثماني، وهي أسطوانية الشكل ذات دورتين وتنتهي بمخروط، لتضيف إلى المشهد المعماري للمسجد طابعًا مميزًا.

إحياء التراث برؤية عصرية

ويمثل تطوير مسجد الإمام الحسين نموذجًا لمحاولات الجمع بين الحفاظ على التراث وتوفير الخدمات الحديثة، حيث لم يكن الهدف مجرد تجديد مبنى تاريخي، وإنما إعادة تقديم أحد أهم رموز القاهرة الإسلامية بصورة تليق بمكانته.

وفي النهاية ففي رحاب المسجد العتيق، تظل الحكايات شاهدة على مرور العصور، بينما تمنح أعمال التطوير المكان قدرة جديدة على استقبال الأجيال القادمة، ليبقى مسجد الإمام الحسين أحد أبرز علامات التاريخ والروحانية في قلب العاصمة المصرية.

تم نسخ الرابط