73 تعديلًا تعيد رسم ملامح مشروع قانون "مستقبل مصر"
في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس قيمة القوانين بعدد موادها، بل بما تحمله من رؤية قادرة على استشراف المستقبل.
فالدول التي تسعى إلى ترسيخ التنمية المستدامة لا تكتفي بصياغة التشريعات، وإنما تعيد النظر فيها كلما تطلبت المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية ذلك، ليصبح القانون أداةً للبناء لا مجرد نصوص جامدة.
ومن هذا المنطلق، شهدت مناقشات مشروع قانون جهاز "مستقبل مصر للتنمية المستدامة" نقاشًا موسعًا داخل لجان مجلس النواب، انتهى بإقرار 73 تعديلًا بعد نحو 15 ساعة من المناقشات، في خطوة تستهدف تعزيز الإطار التشريعي والتنظيمي لعمل الجهاز، بما يواكب متطلبات المرحلة المقبلة.
وخلال استعراض أبرز التعديلات، أوضح النائب مصطفى بكري أن المناقشات ركزت على تعزيز الحوكمة والرقابة، وإعادة صياغة عدد من المواد بما يحقق مزيدًا من الوضوح والانضباط القانوني، مع الحفاظ على فلسفة مشروع القانون وأهدافه التنموية.
ومن بين أبرز التعديلات التي جرى الاتفاق عليها، النص على خضوع الجهاز لرقابة كاملة من الجهاز المركزي للمحاسبات، بما يضمن متابعة الأداء المالي والإداري وفقًا للقواعد الدستورية والقانونية، ويعزز مبادئ الشفافية والمساءلة في إدارة الموارد.
كما تضمنت التعديلات إلغاء الإعفاء المطلق للجهاز من الضرائب، مع منحه حق إصدار السندات المالية وفقًا للضوابط القانونية، بما يوفر آليات تمويل حديثة تدعم تنفيذ المشروعات التنموية دون الإخلال بالأطر المالية المنظمة.
وشملت المناقشات أيضًا إدراج نص يقضي بـسداد اشتراكات التأمين الاجتماعي للعاملين دون تحميل الخزانة العامة للدولة أي أعباء إضافية، وهو ما يعكس توجهًا نحو تحقيق التوازن بين ضمان الحقوق التأمينية للعاملين والحفاظ على الانضباط المالي للدولة.
وفي إطار دعم خطط التنمية، نصت التعديلات على عرض إنشاء مناطق التنمية المستدامة على مجلس النواب، بما يرسخ الرقابة البرلمانية على المشروعات ذات الطابع الاستراتيجي، ويمنح المؤسسة التشريعية دورًا محوريًا في متابعة خطط التنمية المستقبلية.
كما أعيدت صياغة المواد الخاصة بالرسوم لتتوافق مع المحددات الدستورية، مع وضع حد أقصى للتحصيل منعًا لأي تباين في التطبيق، وبما يحقق الوضوح والاستقرار في المعاملات المالية المرتبطة بأنشطة الجهاز.
ومن بين أبرز ما انتهت إليه المناقشات أيضًا، تحويل جهاز "مستقبل مصر" إلى كيان يتمتع بإطار قانوني ومحاسبي ورقابي متكامل، وذلك بعد ما وصفه المشاركون بالنجاحات الكبيرة التي حققها الجهاز خلال الفترة الماضية في تنفيذ عدد من المشروعات التنموية، الأمر الذي استدعى وضع إطار تشريعي أكثر شمولًا ينظم اختصاصاته وآليات عمله.
وتعكس هذه التعديلات، بحسب ما جرى عرضه خلال المناقشات، توجهًا نحو بناء منظومة قانونية أكثر توازنًا، تجمع بين منح الجهاز المرونة اللازمة لتنفيذ مشروعاته، وبين إخضاعه لرقابة مالية وإدارية وتشريعية تضمن حسن إدارة الموارد وتحقيق أعلى درجات الكفاءة والشفافية.
وبذلك، يمثل مشروع القانون بصيغته المعدلة خطوة جديدة في مسار تطوير الأطر التشريعية الداعمة للتنمية المستدامة، في إطار رؤية تستهدف بناء مؤسسات قادرة على مواكبة تحديات الحاضر، والاستعداد لمتطلبات المستقبل، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن التنمية الحقيقية تبدأ بقانونٍ عادل، وإدارةٍ رشيدة، ورقابةٍ فاعلة تصون المال العام وتدعم ثقة المجتمع في مؤسساته.



