تحت ضغط حرب إيران.. الطلب العالمي على الغاز يتجه لأول تراجع منذ 2022
يتجه سوق الغاز العالمي إلى تسجيل أول انخفاض سنوي في الطلب منذ أزمة الطاقة التي شهدها العالم عام 2022، في ظل استمرار تداعيات التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الغاز الطبيعي، ما دفع العديد من الدول والمستهلكين إلى تقليص الاستهلاك والبحث عن بدائل للطاقة.
وبحسب أحدث تقرير فصلي صادر عن وكالة الطاقة الدولية، فإن أسواق الغاز تواجه مرحلة من الضغوط غير المسبوقة نتيجة اضطرابات الإمدادات، وارتفاع تكاليف الاستيراد، واستمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل حركة صادرات الغاز الطبيعي المسال، خاصة عبر منطقة الخليج.
تراجع متوقع في الطلب العالمي على الغاز
توقعت وكالة الطاقة الدولية أن ينخفض الطلب العالمي على الغاز الطبيعي بنحو 0.5% خلال عام 2026، ليكون أول تراجع سنوي منذ أزمة الطاقة العالمية في عام 2022.
ويرجع هذا الانخفاض إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها ارتفاع الأسعار، وتراجع الاستهلاك في عدد من الأسواق الرئيسية، إلى جانب توسع بعض الدول في استخدام مصادر طاقة بديلة، مثل الطاقة المتجددة، لتحسين أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود المستورد.
آسيا تقود تراجع الاستهلاك
أظهر التقرير أن أسواق آسيا سجلت أكبر تراجع في الطلب خلال النصف الأول من العام، بعدما دفعت الأسعار المرتفعة العديد من المستهلكين الصناعيين وشركات الكهرباء إلى خفض استهلاك الغاز أو التحول إلى أنواع وقود أقل تكلفة.
ويعكس هذا الاتجاه حساسية الأسواق الآسيوية لتقلبات أسعار الطاقة، خاصة أن العديد من الدول تعتمد بصورة كبيرة على واردات الغاز الطبيعي المسال لتلبية احتياجاتها من الكهرباء والصناعة.
أوروبا توسع الاعتماد على الطاقة المتجددة
في أوروبا، ساهم ارتفاع إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة في تقليص الطلب على الغاز الطبيعي، مع استمرار الحكومات في تنفيذ خطط تستهدف تنويع مصادر الطاقة وتعزيز أمن الإمدادات بعد أزمة الطاقة التي شهدتها القارة خلال السنوات الماضية.
ورغم استمرار الغاز في لعب دور مهم داخل مزيج الطاقة الأوروبي، فإن التوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح أسهم في الحد من استهلاك الوقود الأحفوري في بعض الأسواق.
انخفاض استهلاك الشرق الأوسط
أشار التقرير أيضًا إلى تراجع استهلاك الغاز في عدد من دول الشرق الأوسط، وهو ما أسهم بدوره في توقعات انخفاض الطلب العالمي خلال العام الجاري، رغم استمرار نمو الاستهلاك في بعض المناطق الأخرى، ويؤكد ذلك أن تأثير التوترات الجيوسياسية امتد إلى الأسواق المحلية والإقليمية، وليس فقط إلى حركة التجارة الدولية.
اضطرابات الإمدادات تعيد تشكيل سوق الغاز
حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن استمرار اضطرابات الإمدادات قد يؤدي إلى زيادة شح سوق الغاز الطبيعي المسال عالميًا، مع احتدام المنافسة بين الدول المستوردة للحصول على الشحنات المتاحة.
وأوضحت الوكالة أن أي صدمة ممتدة في الإمدادات قد تطيل فترة ضعف الواردات في حوضي الأطلسي والهادئ، وتؤثر في توازن السوق العالمية، خاصة إذا استمرت التوترات في مناطق الإنتاج والتصدير الرئيسية.
الولايات المتحدة تعوض جزءًا من نقص الإمدادات
رغم تراجع الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط خلال الأشهر الماضية، فإن النمو في صادرات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة ودول أخرى أسهم في تعويض جزء من هذا النقص.
لكن التقرير حذر من أن أي تأخير في تعافي صادرات الشرق الأوسط قد يؤدي إلى تسجيل أول انخفاض سنوي في الإمدادات العالمية للغاز الطبيعي المسال منذ عام 2012، وهو ما قد يفرض ضغوطًا إضافية على الأسعار.
مضيق هرمز يبقى مصدر قلق للأسواق
ورغم التوصل إلى اتفاق سلام مؤقت بين الولايات المتحدة وإيران خلال الفترة الماضية، والذي ساهم في تحسين حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، فإن حالة عدم اليقين لا تزال قائمة بشأن استقرار هذا الممر البحري الحيوي، كما أن الهجمات التي استهدفت سفنًا داخل المضيق وفي محيطه خلال الفترة الأخيرة أعادت المخاوف بشأن سلامة حركة الشحن، وأكدت استمرار المخاطر التي تواجه تجارة الطاقة العالمية، ويُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز الطبيعي المسال، ما يجعل أي اضطرابات فيه ذات تأثير مباشر على الأسواق الدولية.
استقرار الإمدادات بدلًا من النمو
كانت التوقعات السابقة تشير إلى نمو إمدادات الغاز الطبيعي المسال خلال عام 2026، إلا أن التطورات الأخيرة دفعت وكالة الطاقة الدولية إلى تعديل توقعاتها، لترجح استقرار الإمدادات العالمية بدلًا من تحقيق نمو ملموس.
ويعكس هذا التغيير حجم التأثير الذي أحدثته التوترات الجيوسياسية في خطط الإنتاج والتصدير، إلى جانب استمرار التحديات اللوجستية في بعض مناطق الشحن.
أسعار الغاز تقفز بقوة
أدت التطورات الأخيرة إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار الغاز العالمية، حيث قفزت المؤشرات المرجعية لأسعار الغاز في أوروبا وآسيا بنسب تراوحت بين 40% و70% منذ اندلاع الحرب، وهو ما انعكس على تكاليف الكهرباء والصناعة وأسعار الطاقة في العديد من الدول.
ويرى محللون أن استمرار هذه المستويات المرتفعة قد يدفع مزيدًا من الدول إلى تسريع الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة، وتقليل الاعتماد على واردات الغاز.
ما الذي ينتظر سوق الغاز؟
يرى مراقبون أن مستقبل سوق الغاز العالمي سيظل مرتبطًا بعدة عوامل رئيسية، أبرزها:
تطورات الأوضاع الأمنية في الشرق الأوسط.
استقرار الملاحة عبر مضيق هرمز.
وتيرة تعافي صادرات الغاز الطبيعي المسال من الدول المنتجة.
نمو صادرات الولايات المتحدة ومنتجين آخرين.
اتجاهات الطلب في آسيا وأوروبا خلال النصف الثاني من العام.
السياسات النقدية والاقتصادية التي قد تؤثر في النشاط الصناعي والطلب على الطاقة.
وفي ظل هذه المتغيرات، تبقى أسواق الغاز العالمية أمام مرحلة تتسم بارتفاع درجة عدم اليقين، مع استمرار متابعة المستثمرين والحكومات لأي تطورات قد تؤثر في الإمدادات والأسعار خلال الأشهر المقبلة.



