ثورة 30 يونيو.. محطات رئيسية في مسيرة استعادة الدولة المصرية
ليست الثورات في جوهرها مجرد أحداث تسجلها كتب التاريخ، ولا لحظات عابرة تتغير فيها موازين السياسة، بل هي اختبار حقيقي لوعي الشعوب وقدرتها على التمييز بين الدولة بوصفها كيانًا باق، والسلطة بوصفها مرحلة قابلة للتغيير.
ففي المنعطفات المصيرية، يصبح الوعي الجمعي هو القوة التي تحدد اتجاه المستقبل، وتتحول إرادة المواطنين إلى فعل يصنع التاريخ.

ومن هذا المنطلق، شكلت ثورة الثلاثين من يونيو محطة فارقة في الذاكرة المصرية، باعتبارها لحظة أعادت طرح أسئلة الهوية والاستقرار ومستقبل الدولة، وفتحت صفحة جديدة في مسارها السياسي والتنموي.
القصة بدأت حينما شهدت مصر في الثلاثين من يونيو 2013 واحدة من أكبر موجات الحراك الشعبي في تاريخها الحديث، عندما خرجت حشود ضخمة في مختلف المحافظات للتعبير عن رفضها للأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية آنذاك، والمطالبة بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، في مشهد اعتبرته الدولة لاحقًا نقطة تحول مفصلية في تاريخها المعاصر.
جاءت هذه الاحتجاجات بعد عام من تولي الدكتور محمد مرسي المرشح عن حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان المسلمين، منصب رئاسة الجمهورية، في ظل تصاعد حالة الاستقطاب السياسي، وسعي جماعة الإخوان المسلمين للانفراد بإدارة الدولة، إلى جانب اتساع دائرة الخلاف مع عدد من القوى السياسية ومؤسسات الدولة.
كما شهدت تلك الفترة تحديات اقتصادية متزايدة، تمثلت في تراجع الاحتياطي من النقد الأجنبي، وارتفاع عجز الموازنة، وتذبذب سعر صرف الجنيه، إلى جانب أزمات متكررة في الوقود والطاقة، وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، وارتفاع أسعار العديد من السلع الأساسية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين.

وعلى الصعيد الأمني، واجهت البلاد تحديات تمثلت في تصاعد أعمال العنف، وتزايد المخاوف من تدهور الاستقرار، فضلًا عن تنامي نشاط الجماعات المتطرفة في بعض المناطق، الأمر الذي زاد من حالة القلق داخل المجتمع.
على المستوى السياسي، صدر الإعلان الدستوري المكمل في نوفمبر ٢٠١٢، والذي منح الرئيس صلاحيات مطلقة لا تخضع للمساءلة، مما اعتبره المصريون انفرادا بالسلطة، وانقلابًا على مبادئ الثورة .
وتوج هذا كله بمسلسل من الاغتيالات السياسية لرموز المعارضة، ومحاولات فرض وصاية دينية على المجتمع، وإقصاء كامل للمؤسسات القضائية والإعلامية والشرطية.
فيما لعبت حملة "تمرد" دورًا بارزًا في الدعوة إلى الاحتجاجات، بعد إعلانها جمع ملايين التوقيعات المطالبة بإنهاء ولاية "مرسي" وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، لتتحول هذه الدعوات إلى تظاهرات واسعة شهدتها ميادين القاهرة والإسكندرية والسويس والمنصورة والمحلة الكبرى وأسيوط وأسوان وسائر المحافظات.
وفي الأول من يوليو 2013، أصدرت القوات المسلحة بيانًا منحت خلاله مهلة مدتها 48 ساعة للقوى السياسية للاستجابة لمطالب المواطنين، مؤكدة حرصها على الحفاظ على استقرار الدولة وتماسك مؤسساتها.

وفي الثالث من يوليو 2013، أُعلنت خريطة طريق تضمنت إنهاء ولاية "مرسي"، وتعطيل العمل بالدستور بصورة مؤقتة، وتكليف رئيس المحكمة الدستورية العليا بإدارة المرحلة الانتقالية، إلى جانب تشكيل حكومة انتقالية، وبدء إجراءات إعداد دستور جديد وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.
أعقب ذلك إقرار دستور عام 2014، ثم إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، واستكمال بناء المؤسسات الدستورية للدولة، في إطار مسار سياسي جديد اعتبرته الدولة بداية لمرحلة إعادة بناء مؤسساتها.
تزامنت هذه المرحلة مع جهود واسعة لاستعادة الأمن والاستقرار، من خلال تنفيذ عمليات أمنية وعسكرية لمواجهة التنظيمات الإرهابية، وتعزيز حماية الحدود والمنشآت الحيوية، إلى جانب تطوير المنظومة التشريعية الخاصة بمكافحة الإرهاب وتجفيف مصادر تمويله.
كما شهدت الدولة إطلاق برامج لتجديد الخطاب الديني، وتعزيز دور المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية في نشر قيم الاعتدال، باعتبار المواجهة الفكرية أحد المحاور الرئيسية في مكافحة التطرف.
وعلى الصعيد الاقتصادي، بدأت الحكومة تنفيذ برنامج للإصلاح الاقتصادي، إلى جانب إطلاق سلسلة من المشروعات القومية الكبرى في مجالات الطرق والكباري، وشبكات النقل، والطاقة، والإسكان، والموانئ، والمدن الجديدة، والتحول الرقمي، بهدف دعم النمو الاقتصادي وتحسين البنية الأساسية للدولة.

وشهدت السنوات التالية توسعًا في المبادرات التنموية، وفي مقدمتها المبادرة الرئاسية "حياة كريمة"، التي اطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي، والتي استهدفت تطوير الريف المصري وتحسين مستوى الخدمات الأساسية، إلى جانب مشروعات تستهدف الارتقاء بقطاعات الصحة والتعليم والنقل.
وعلى المستوى الخارجي، عملت مصر على تعزيز حضورها الإقليمي والدولي، وتوسيع شراكاتها الاقتصادية والسياسية مع مختلف الدول، مع استعادة دورها في عدد من القضايا الإقليمية والدولية.
وفي النهاية تعد ذكرى الثلاثين من يونيو مناسبة وطنية رسمية في مصر، تحيي خلالها الدولة ما تعتبره انطلاقة لمسار جديد نحو بناء "الجمهورية الجديدة"، القائمة على تطوير البنية التحتية، وتعزيز التنمية المستدامة، وتحسين جودة الحياة، وتحديث مؤسسات الدولة.
لتبقى ثورة 30 يونيو، محطة محورية في التاريخ السياسي الحديث، ارتبطت بمرحلة انتقالية أعقبها دستور جديد، ومؤسسات منتخبة، وبرامج إصلاح وتنمية واسعة، في إطار رؤية تستهدف ترسيخ الاستقرار ودفع مسيرة التنمية الشاملة.

