اكتشاف جين جديد يكشف سببا خفيا لمرض رئوي نادر يهدد الأطفال منذ الولادة
تمكن فريق دولي من العلماء من اكتشاف اضطراب وراثي جديد، يسبب مرضا رئويا شديدا يظهر منذ الأشهر الأولى من عمر الطفل، في خطوة قد تساعد على تفسير حالات فشل تنفسي، ظلت مجهولة السبب لسنوات، كما تفتح الباب أمام وسائل أفضل للتشخيص وربما العلاج مستقبلا.
ونشرت نتائج الدراسة في مجلة American Journal of Human Genetics، حيث توصل الباحثون إلى أن المرض ينتج عن طفرات تؤدي إلى فقدان وظيفة جين يعرف باسم TMEM63B، وأظهرت الدراسة أن الأطفال الذين يرثون نسختين معطوبتين من هذا الجين، واحدة من كل والد، يعانون مشكلات تنفسية حادة منذ الصغر، إلى جانب تأخر في النمو والتطور.
اكتشاف المرض
بدأت رحلة الاكتشاف عندما خضع أحد الأطفال المصابين بأعراض تنفسية شديدة لفحوص ضمن برنامج الشبكة الأميركية للأمراض غير المشخصة في كلية بايلور للطب ومستشفى تكساس للأطفال. وبعد أن كشفت التحاليل وجود طفرات نادرة في الجين، نجح الباحثون عبر التعاون مع مراكز بحثية في دول مختلفة في العثور على أربعة أطفال آخرين يحملون الطفرات نفسها ويعانون أعراضا متشابهة، لتسجل بذلك أول خمس حالات معروفة لهذا الاضطراب الوراثي.
أهمية الدراسة

وأظهرت الحالات أن جميع الأطفال أصيبوا بضيق في التنفس وتغيرات غير طبيعية في أنسجة الرئة منذ وقت مبكر، بالإضافة إلى تأخر في النمو، بينما لم تظهر عليهم نوبات صرع، رغم أن طفرات أخرى في الجين نفسه سبق أن ارتبطت بأمراض عصبية.
وأوضح الباحثون أن جين TMEM63B مسؤول عن إنتاج بروتين يعمل كقناة أيونية تنظم حركة الأيونات داخل الخلايا، وهي عملية ضرورية لعمل عدد من أعضاء الجسم، من بينها الرئتان والدماغ.
وكانت أبحاث سابقة قد ربطت بعض الطفرات في هذا الجين باضطرابات عصبية نتيجة زيادة نشاط القناة الأيونية، أما الدراسة الحالية فكشفت عن نوع مختلف من الطفرات يؤدي إلى فقدان القناة بالكامل، وهو ما أكدته التجارب المعملية التي أثبتت اختفاء وظيفة البروتين بشكل كامل.
وأشار العلماء إلى أن تأثير فقدان الجين يبدو أشد على الرئتين مقارنة بالدماغ، ويرجع ذلك على الأرجح إلى امتلاك الدماغ قنوات أخرى تستطيع تعويض غياب هذا البروتين جزئيا، بينما لا تتوفر هذه الآلية داخل الرئتين، مما يؤدي إلى اضطراب وظائفها وحدوث فشل تنفسي مبكر.
كما دعمت تجارب سابقة أجريت على فئران معدلة وراثيا هذه النتائج، بعدما أظهرت إصابتها بفشل تنفسي حاد فور الولادة عند غياب الجين نفسه.
ويرى الباحثون أن طفرات TMEM63B قد تمثل سببا جديدا لبعض أمراض الرئة الخلالية النادرة لدى الأطفال، وهي أمراض تصيب الأنسجة الدقيقة داخل الرئتين وتؤثر في عملية التنفس، وغالبا ما ترتبط بخلل في المادة المسؤولة عن تسهيل تمدد الرئتين وانكماشهما أثناء الشهيق والزفير.
وأكدت الدكتورة كيرين ماشول، الباحثة المشاركة في الدراسة من كلية بايلور للطب، أن التعرف على هذا الجين سيساعد الأطباء على تشخيص المرض في وقت مبكر، وتقديم الرعاية المناسبة للأطفال المصابين وأسرهم.
يتوقع الباحثون أن تسهم النتائج في تطوير برامج الفحص الجيني للأطفال، الذين يعانون أمراضا تنفسية مجهولة السبب، خاصة بعد أن أثبتت الدراسة أن نوع الطفرة في الجين، هو الذي يحدد ما إذا كان المرض سيؤثر في الجهاز العصبي أو الرئتين.
وأكد الفريق البحثي أن هذا الإنجاز، جاء بفضل التعاون الدولي وتبادل البيانات بين المراكز الطبية والبحثية، وهو ما أتاح ربط الحالات النادرة المنتشرة في دول مختلفة والوصول إلى هذا الاكتشاف، الذي يمثل خطوة مهمة لفهم الأمراض الوراثية النادرة، ومنح الأمل للأسر التي ظلت تبحث عن تفسير لمعاناة أطفالها.



