رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

حجر المذبح في ستونهنج شُيّد بإرادة بشرية خارقة لا بزحف الجليد

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

على مدار آلاف السنين، وقف معلم "ستونهنج" التاريخي في بريطانيا شاخصاً بقرابينه وأسراره كأحد أكبر الألغاز التي حيرت عقول علماء الآثار والجيولوجيا عبر العصور. غير أن دراسة رائدة حديثة، نُشرت في مجلة "علم الكواتيرناري" (The Journal of Quaternary Science)، جاءت لتقلب الطاولات وتستبعد إحدى أكثر النظريات رسوخاً؛ مؤكدة أن "حجر المذبح" الضخم لم ينقل إلى موقعه الحالي بفعل زحف الأنهار الجليدية وحده، بل كان نتاج ملحمة هندسية وإرادة بشرية خارقة خطط لها إنسان العصر الحجري الحديث.
​لغز الـ 450 ميلاً.. صخرة اسكتلندية في قلب إنجلترا
​يعد حجر المذبح القطعة المركزية الأثمن في تلك الدائرة الحجرية التي يعود تاريخها إلى 5000 عام؛ حيث تشرق الشمس في محاذاة تامة معه ومع "حجر الكعب" خلال ظاهرة الانقلاب الصيفي الفلكية. ولطالما اعتقد العلماء أن هذا الحجر الرملي العملاق، الذي يبلغ طوله 16 قدماً ويتجاوز وزنه 6 أطنان (13,000 رطل)، يعود في منبعه إلى ويلز كبقية الحجارة الزرقاء المحيطة به، والتي أضيفت للموقع في سهل سالزبوري بمقاطعة ويلتشر بين عامي 2620 و2480 قبل الميلاد.
​إلا أن الفحص الكيميائي المعاصر للبلورات والحبيبات المعدنية فجّر مفاجأة مدوية؛ إذ أثبت أن الصخرة اقتُلعت من "حوض أوركاديان" في أقصى شمال شرق اسكتلندا، مما يعني أنها قطعت مسافة شاسعة تتجاوز 450 ميلاً (نحو 724 كيلومتراً) لتستقر في جنوب إنجلترا.
​تفكيك خدعة الجليد.. "دوغر بانك" يكشف الحقيقة
​لحل معضلة النقل دون تكنولوجيا حديثة، عكف فريق بحثي من جامعة كيرتن الأسترالية على إعادة محاكاة مسار الأنهار الجليدية عبر نمذجة الصفائح الجليدية وتأريخ الحبيبات. وأظهرت المحاكاة أن الأنهار الجليدية في شمال شرق اسكتلندا تحركت بالفعل نحو الجنوب الشرقي، دافعة الحجارة العملاقة كـ "حزام ناقل متجمد" إلى منطقة "دوغر بانك" (وهي مساحة أرضية مغمورة بالمياه حالياً كانت تربط بريطانيا بأوروبا)، والتي تبعد 250 ميلاً عن ستونهنج.
​وهنا حسمت الجيولوجيا النقاش؛ فمنطقة "دوغر بانك" غمرت بالمياه تماماً قبل 8000 عام، أي قبل 3000 عام من بدء بناء ستونهنج، مما يجعل فرضية إتمام الجليد للرحلة مستحيلة بيولوجياً وزمنياً. وأكد الدكتور أنتوني كلارك، المؤلف الرئيسي للدراسة، أن الجليد قد يكون ساعد في ترحيل الصخرة جزئياً، لكن "خط النهاية" الطويل كان بشرياً خالصاً؛ حيث تم نقل الحجر لمئات الكيلومترات على مراحل جمعت بين الجر البري الشاق والنقل النهري والساحلي عبر القوارب البدائية.
​بناة بلا عجلة.. الشغف الإنساني بالصخرة المثالية
​وفي محاولة لفهم سايكولوجية البناة القدامى، أوضح الدكتور كلارك في تصريحاته لمجلة New Scientist أن بناة ستونهنج لم يكونوا محكومين بمواقيت زمنية ضيقة كالمشاريع الحديثة؛ بل تشابهت استراتيجيتهم مع مساعي بناء الأهرامات المصرية، كملحمة قومية مستدامة تمتد لعدة أجيال وتسمح بتطوير الأدوات والخبرات الهندسية بالتجربة والخطأ.
​وحول السر الكامن وراء الإصرار على جلب حجر من أقصى اسكتلندا تحديداً، علق كلارك متهكماً بذكاء: "لماذا نختار الرخام من إيطاليا لمطابخنا الحديثة؟ لقد امتلك البشر دائماً شغفاً دافعاً للبحث عن الصخرة المثالية"؛ إذ حملت تلك الصخرة الرملية قيمة روحية، أو عقائدية، أو جمالية خاصة فرضت عليهم خوض هذا التحدي "السيزيفي".
​وتفتح هذه النتائج الباب لفرضية أثرية مثيرة؛ حيث يرى بعض خبراء العصر الحجري الحديث أن موقع ستونهنج ربما كان بمثابة "ساحة رياضية وثقافية كبرى" لعرض القوة والتنظيم المجتمعي، وأن نقل "حجر المذبح" لم يكن مجرد عملية بناء، بل كان المعادل التاريخي لمسابقات القوة الخارقة وجذب القبائل تحت راية إنجاز هندسي موحد يعكس أعلى درجات التنسيق والقيادة.

تم نسخ الرابط