رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

10315 مشروعا يغير وجه الريف.. كيف بدأ «حياة كريمة» ؟

تعبيرية
تعبيرية

في عمق التجربة الإنسانية، لا تقاس قيمة الدول بما تملكه من عمران فحسب، بل بقدرتها على إعادة توزيع معنى الحياة نفسها بين أطرافها.

وهنا تبرز «حياة كريمة» كمشروع يتجاوز حدود التنمية التقليدية، ليقترب من سؤال أعمق: كيف يمكن للبنية التحتية أن تتحول إلى أداة لصون الكرامة الإنسانية؟؛ إنها ليست مجرد شبكات مياه أو صرف صحي أو منشآت خدمية، بل محاولة لإعادة وصل ما انقطع بين الإنسان وحقه الطبيعي في العيش الكريم، حيث تصبح القرية مرآةً لعدالة الدولة، ويغدو التطوير فعلًا فلسفيًا يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع والإنسان.

قلب الريف المصري

وفي ذلك الصدد وفي قلب الريف المصري، حيث تتقاطع احتياجات الحياة اليومية مع طموحات التنمية الحديثة، تواصل الدولة تنفيذ واحدة من أكثر التجارب التنموية طموحًا في تاريخها المعاصر، وهي المبادرة الرئاسية «حياة كريمة»، التي لم تعد مجرد مشروع خدمي، بل تحولت إلى رؤية شاملة لإعادة صياغة علاقة الإنسان بالمكان، وتأسيس معنى جديد للعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.

وفي هذا السياق، عقدت المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، اجتماعًا دوريًا لمتابعة الموقف التنفيذي لمشروعات المرحلة الأولى من المبادرة، ضمن نطاق عمل الوزارة في قطاعات مياه الشرب والصرف الصحي والمنشآت الخدمية، بحضور المهندس أحمد عمران، نائب وزيرة الإسكان للمرافق، وعدد من قيادات الوزارة ورؤساء الجهات التنفيذية. لم يكن الاجتماع مجرد مراجعة إدارية للأرقام والنسب، بل بدا وكأنه قراءة معمقة لمسار دولة تعيد بناء الريف على أسس أكثر عدالة وفعالية.

منذ البداية، أكدت وزيرة الإسكان أن «حياة كريمة» تمثل أحد أكبر المشروعات التنموية في تاريخ الدولة المصرية، ليس فقط من حيث حجم الاستثمارات أو عدد القرى المستهدفة، بل من حيث الفلسفة التي تقف خلفها؛ فلسفة ترى أن التنمية ليست ترفًا حضريًا، بل حق أصيل لكل مواطن، وأن الريف ليس هامشًا جغرافيًا، بل مركزًا إنسانيًا يجب أن يُعاد إليه الاعتبار بعد عقود من التحديات التراكمية في البنية التحتية والخدمات الأساسية.

 746 قرية

وتتجلى هذه الرؤية في نطاق عمل وزارة الإسكان داخل المبادرة، حيث يجري تنفيذ ما يقرب من 10315 مشروعًا في 746 قرية ضمن المرحلة الأولى، وهي أرقام لا تعكس مجرد كثافة إنشائية، بل تشير إلى عملية إعادة تشكيل شاملة للبنية التحتية في الريف المصري. وتشمل هذه المشروعات قطاعات حيوية مثل مياه الشرب، والصرف الصحي، ومحطات المعالجة، إلى جانب الوصلات المنزلية، فضلًا عن المنشآت الخدمية التي تُعد حجر الأساس في تحسين جودة الحياة اليومية للمواطنين.

وخلال الاجتماع، تم استعراض تقرير تفصيلي حول نسب التنفيذ في مختلف المواقع، ومعدلات الإنجاز الفعلية، وحالة توريد وتركيب المهمات، في مشهد يعكس حجم التعقيد الهندسي والإداري الذي يصاحب تنفيذ مشروع بهذه الضخامة. غير أن ما يميز «حياة كريمة» ليس فقط حجمها، بل إصرارها على تحويل الأرقام إلى واقع ملموس، والمخططات إلى خدمات تصل إلى بيت المواطن في أبعد قرية.

وزيرة الإسكان

وفي هذا الإطار، شددت وزيرة الإسكان على أهمية تكثيف المتابعة الميدانية، باعتبارها الأداة الأكثر فاعلية لضبط إيقاع التنفيذ، وضمان الالتزام بالمعايير الفنية والجداول الزمنية. فالمتابعة هنا ليست إجراءً رقابيًا فحسب، بل هي آلية لضمان ألا تضيع روح المبادرة بين تفاصيل التنفيذ، وأن يظل الهدف النهائي حاضرًا: تحسين حياة الإنسان في الريف المصري.

كما أكدت على ضرورة إعداد تقارير دورية دقيقة تعكس الواقع الحقيقي في مواقع العمل، بما يسمح باتخاذ قرارات سريعة وفعالة للتعامل مع أي معوقات قد تؤثر على معدلات الإنجاز. وفي خلفية هذا التوجيه الإداري، يظهر إدراك واضح بأن نجاح «حياة كريمة» لا يُقاس فقط بسرعة الإنجاز، بل بقدرة المنظومة على التكيف مع التحديات الميدانية دون الإخلال بجودة التنفيذ.

ولعل ما يمنح المبادرة بعدها الفلسفي الأعمق هو كونها مشروعًا لإعادة تعريف مفهوم «الكرامة الإنسانية» في سياق التنمية. فحين تصل مياه الشرب النقية إلى قرية كانت تعاني من نقص الخدمات، أو حين يُعاد تأهيل شبكة الصرف الصحي بما يضمن بيئة صحية آمنة، فإن الأمر يتجاوز البنية التحتية ليصل إلى جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن، حيث تصبح الخدمة العامة تجسيدًا عمليًا لفكرة العدالة الاجتماعية.

تكثيف معدلات العمل

وفي ختام الاجتماع، جاءت التوجيهات بتكثيف معدلات العمل، وإزالة أي معوقات بالتنسيق الكامل بين الجهات المعنية، وتسريع وتيرة التنفيذ لضمان دخول المشروعات الخدمة في أسرع وقت ممكن. 

كما تم التأكيد على ترتيب أولويات التنفيذ بحيث تُمنح الأسبقية للمشروعات التي تُحدث أثرًا مباشرًا في تشغيل منظومات متكاملة في مياه الشرب والصرف الصحي والخدمات الأساسية.

هكذا، تتجلى «حياة كريمة» ليس فقط كمبادرة رئاسية، بل كمشروع وطني يعيد رسم خريطة التنمية في مصر، ويعيد الاعتبار للريف بوصفه فضاءً للحياة الكاملة لا مجرد مساحة جغرافية. إنها محاولة لصياغة معادلة جديدة، يكون فيها الإنسان هو محور التنمية، وتصبح البنية التحتية وسيلة لا غاية، والجودة معيارًا لا خيارًا، والكرامة نتيجة طبيعية لمسار طويل من العمل والتخطيط والإرادة السياسية.

تم نسخ الرابط