رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

600 طن يوميا.. ماذا يحدث داخل المشروع الأحدث في البحر الأحمر؟

ارشيفية
ارشيفية

في قلب الصحراء الممتدة على سواحل البحر الأحمر، حيث يلتقي جمال الطبيعة بضرورات التنمية المتسارعة، تبرز معادلة جديدة تسعى الدولة المصرية إلى ترسيخها؛ معادلة تقوم على أن المخلفات لم تعد عبئاً بيئياً يجب التخلص منه، بل مورداً اقتصادياً يمكن استثماره وإعادة تدويره ليصبح جزءاً من دورة إنتاج متكاملة تدعم التنمية المستدامة وتحافظ على الموارد للأجيال القادمة.

محافظة البحر الأحمر 

وفي هذا السياق، تتجه محافظة البحر الأحمر نحو مرحلة جديدة في إدارة المخلفات الصلبة، عبر تطوير منظومتها الحالية وإنشاء بنية تحتية أكثر قدرة على مواكبة النمو العمراني والسياحي الذي تشهده المحافظة، بما ينسجم مع رؤية الدولة للتحول نحو الاقتصاد الدوار وتقليل الآثار البيئية الناجمة عن تراكم المخلفات.

المخلفات الصلبة

وفي ذالك الصدد أكد الدكتور وليد البرقي، محافظ البحر الأحمر، في تصريحات تلفزيونية، أن المحافظة تمتلك بالفعل منظومة قائمة للتعامل مع المخلفات الصلبة والتخلص منها بصورة آمنة، إلا أن الجهود التي تقودها الدولة خلال السنوات الأخيرة، بالتعاون مع وزارة التنمية المحلية، أسهمت في إنشاء وتطوير عدد كبير من المدافن الصحية الآمنة على مستوى الجمهورية، بهدف استيعاب الزيادات المتوقعة في كميات المخلفات الناتجة عن التوسع العمراني والتنموي.

وأوضح المحافظ أن البحر الأحمر تتمتع بطبيعة خاصة تختلف عن كثير من المحافظات الأخرى، باعتبارها واحدة من أهم المقاصد السياحية في مصر والمنطقة، وهو ما يفرض نمطاً مختلفاً من المخلفات يتطلب حلولاً أكثر تطوراً وكفاءة. فالمناطق السياحية لا تنتج فقط كميات كبيرة من المخلفات، بل تفرض أيضاً معايير بيئية مرتفعة للحفاظ على الصورة الحضارية للمدن الساحلية والشواطئ التي تمثل أحد أهم عناصر الجذب السياحي.

الفرز وإعادة التدوير

وأشار إلى أن التوجه الجديد لا يقتصر على التخلص الآمن من المخلفات، بل يهدف إلى تحقيق أعلى استفادة ممكنة منها من خلال عمليات الفرز وإعادة التدوير، بما يسمح بتحويل جزء كبير منها إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية يمكن أن تسهم في دعم قطاعات إنتاجية متعددة.
وفي هذا الإطار، كشف المحافظ أن المحافظة لا تستهدف إنتاج الوقود البديل من المخلفات فقط، وإنما تسعى كذلك إلى إنتاج السماد العضوي المعروف بـ«الكومبوست»، والذي يمثل أحد العناصر المهمة في دعم الأنشطة الزراعية وتحسين خصوبة التربة، فضلاً عن الاستفادة من بعض المكونات العضوية في إنتاج الأعلاف الحيوانية، بما يحقق قيمة مضافة ويقلل من الفاقد.

خبراء البيئة

ويرى خبراء البيئة أن هذا التوجه يعكس تحولاً عالمياً في مفهوم إدارة المخلفات، حيث لم تعد الدول المتقدمة تنظر إلى القمامة باعتبارها نهاية دورة الاستهلاك، بل بداية دورة إنتاج جديدة. فكل طن من المخلفات يحتوي على مواد قابلة للاسترجاع والتدوير يمكن أن تتحول إلى طاقة أو أسمدة أو مواد خام تدخل مجدداً في العملية الإنتاجية.

الغردقة

ولتحقيق هذه الأهداف، أوضح محافظ البحر الأحمر أن المنظومة المتكاملة الجديدة استدعت تطوير وتوسعة مصنع الفصل والتدوير القائم بمدينة الغردقة، والذي يمثل أحد الركائز الأساسية لإدارة المخلفات بالمحافظة. 

كما تم الاتفاق، خلال زيارة الدكتورة منال عوض وزيرة التنمية المحلية للمحافظة، على نقل المصنع من موقعه الحالي إلى موقع المدفن الصحي الجديد الذي سيخدم مدينتي الغردقة وسفاجا، بحيث تتجمع كافة مكونات المنظومة في موقع واحد يضمن سهولة التشغيل ورفع الكفاءة وتقليل تكاليف النقل والتشغيل.

الاستفادة من المخلفات

ويُعد توحيد مكونات المنظومة في موقع متكامل خطوة مهمة نحو تحقيق الإدارة البيئية الحديثة، إذ يتيح تنفيذ مراحل الجمع والفرز والتدوير والمعالجة والتخلص النهائي وفق منظومة مترابطة، بما يقلل من الفاقد ويرفع معدلات الاستفادة من المخلفات.

200 طن يومياً

وأشار المحافظ إلى أن الطاقة التشغيلية الحالية للمصنع تبلغ نحو 200 طن يومياً، إلا أن المنظومة الجديدة سترفع القدرة الاستيعابية إلى نحو 600 طن يومياً، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف الطاقة الحالية، وهو ما يمنح المحافظة قدرة أكبر على التعامل مع الزيادة السكانية والتوسع السياحي المتوقع خلال السنوات المقبلة.
ولا تقتصر أهمية المشروع على زيادة القدرة التشغيلية فقط، بل تمتد إلى تحقيق مكاسب بيئية واستراتيجية بعيدة المدى. فبحسب تصريحات المحافظ، ستسهم عمليات الفرز والتدوير الموسعة في تقليل كميات المخلفات التي يتم دفنها داخل الخلايا الصحية، حيث من المتوقع أن تنخفض نسبة المخلفات الموجهة للدفن من نحو 25% حالياً إلى 10% فقط.

ويحمل هذا التراجع دلالات مهمة، إذ يعني إطالة العمر التشغيلي للمدفن الصحي وتقليل الحاجة إلى إنشاء خلايا دفن جديدة مستقبلاً، فضلاً عن خفض الانبعاثات البيئية وتحسين كفاءة استخدام الأراضي المخصصة للتخلص النهائي من المخلفات.

الاقتصاد الدوار

وتعكس هذه الخطوات التزام الدولة المصرية بتطبيق مبادئ الاقتصاد الدوار، وهو مفهوم اقتصادي حديث يقوم على إعادة استخدام الموارد وتعظيم الاستفادة منها لأطول فترة ممكنة، بدلاً من نموذج الاستهلاك التقليدي القائم على الإنتاج والاستخدام ثم التخلص. ويُنظر إلى الاقتصاد الدوار اليوم باعتباره أحد أهم الأدوات العالمية لمواجهة التحديات البيئية وتعزيز الاستدامة.

كما يتوافق المشروع مع أهداف التنمية المستدامة التي تركز على الإدارة الرشيدة للموارد الطبيعية، وخفض معدلات التلوث، وتعزيز كفاءة الإنتاج والاستهلاك، بما يحقق التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة.

السياحة

وفي محافظة تعتمد بصورة رئيسية على السياحة باعتبارها محركاً أساسياً للتنمية، تصبح إدارة المخلفات قضية تتجاوز حدود الخدمات المحلية لتتحول إلى عنصر مؤثر في الحفاظ على تنافسية المقصد السياحي نفسه. 

فالسائح الذي يأتي بحثاً عن الطبيعة الخلابة والشواطئ النقية يتوقع بيئة نظيفة ومنظومة حضارية تعكس مستوى التطور الذي وصلت إليه المدينة.
ومن هنا، فإن مشروع المدفن الصحي الجديد وتطوير مصنع التدوير لا يمثلان مجرد توسعة فنية لمنشآت قائمة، بل يعكسان تحولاً في فلسفة التعامل مع المخلفات، من اعتبارها مشكلة بيئية إلى اعتبارها فرصة اقتصادية ومورداً إنتاجياً يمكن توظيفه لخدمة التنمية.

وفي النهاية ومع اقتراب تنفيذ المنظومة الجديدة بكامل طاقتها، تبدو محافظة البحر الأحمر على موعد مع نموذج أكثر استدامة لإدارة الموارد، نموذج يؤكد أن المستقبل لا يُبنى فقط بما ننتجه من موارد جديدة، بل أيضاً بما نحسن استغلاله من موارد كنا نعتبرها في الماضي مجرد مخلفات.

تم نسخ الرابط