الضبعة النووية.. مشروع القرن الذي يعيد رسم خريطة الطاقة في مصر
تمثل محطة الضبعة النووية أحد أكبر المشروعات الاستراتيجية في تاريخ مصر الحديث، حيث تعد أول محطة لتوليد الكهرباء بالطاقة النووية في البلاد، وتُقام بمدينة الضبعة بمحافظة مطروح على ساحل البحر المتوسط، بالتعاون مع شركة "روساتوم" الروسية الحكومية. ويُنظر إلى المشروع باعتباره نقلة نوعية في قطاع الطاقة، لما يحمله من أبعاد اقتصادية وتنموية وتكنولوجية واسعة.
قدرة إنتاجية ضخمة تدعم الشبكة القومية
تبلغ القدرة الإنتاجية الإجمالية لمحطة الضبعة النووية نحو 4800 ميجاوات، من خلال أربعة مفاعلات نووية متطورة، تصل قدرة كل منها إلى 1200 ميجاوات. وتعتمد المحطة على مفاعلات من طراز VVER-1200 التابعة للجيل الثالث المطور (3+)، والتي تُعد من أحدث التقنيات المستخدمة عالمياً في مجال الطاقة النووية السلمية.
وصُممت المحطة للعمل لمدة 60 عاماً، مع إمكانية تمديد عمرها التشغيلي إلى 100 عام بفضل استخدام مواد وتقنيات هندسية متقدمة.
أعلى معايير الأمان النووي
تضم المحطة منظومة أمان متكاملة تتوافق مع المعايير الدولية التي وضعتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية عقب حادثة فوكوشيما.
ويتميز المشروع بهيكل احتواء خرساني مزدوج قادر على تحمل اصطدام طائرة تجارية ضخمة، إضافة إلى مقاومة الظروف الطبيعية القاسية مثل الأعاصير والفيضانات. كما تحتوي المفاعلات على "مصيدة قلب المفاعل" المصممة لاحتواء الوقود المنصهر ومنع أي تسرب إشعاعي في الحالات الطارئة، إلى جانب نظام تبريد مغلق يعزل المفاعل عن البيئة المحيطة بشكل كامل.
استثمارات ضخمة وشراكة مصرية روسية
تصل التكلفة الإجمالية للمشروع إلى نحو 28.75 مليار دولار أمريكي، تمول روسيا 85% منها عبر قرض حكومي بقيمة 25 مليار دولار، يُسدد على مدار 22 عاماً بفائدة سنوية تبلغ 3%، بينما تتحمل مصر النسبة المتبقية البالغة 15%.
تقدم متسارع في الأعمال الإنشائية
شهد المشروع تقدماً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، حيث بدأت أعمال الصب الخرساني للمفاعلات تباعاً منذ يوليو 2022. وخلال عام 2024 تم الانتهاء من تركيب مصائد قلب المفاعل لجميع الوحدات الأربع، فيما استقبلت الوحدة الأولى وعاء ضغط المفاعل في أكتوبر 2025، في خطوة مهمة نحو التشغيل الفعلي.
ومن المقرر أن يبدأ تشغيل المفاعل الأول وربطه بالشبكة الكهربائية القومية خلال عام 2028، على أن تدخل الوحدات الأخرى الخدمة تدريجياً في السنوات التالية.
مكاسب اقتصادية وتوطين للصناعة
يتجاوز تأثير محطة الضبعة إنتاج الكهرباء فقط، إذ يُتوقع أن تسهم في توفير نحو 7 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً، بما يسمح بتوجيه كميات أكبر للتصدير وزيادة العائدات من النقد الأجنبي.
كما يدعم المشروع جهود توطين الصناعة الوطنية، حيث ترتفع نسبة المكون المحلي تدريجياً من 20% في الوحدة الأولى إلى 35% في الوحدة الرابعة، بالتوازي مع برامج تدريب وتأهيل مئات المهندسين والفنيين المصريين لتشغيل وإدارة المحطة بكوادر وطنية مؤهلة.
مستقبل جديد للطاقة في مصر
تمثل محطة الضبعة النووية خطوة استراتيجية نحو تنويع مصادر الطاقة وتعزيز أمن الطاقة المصري، كما تفتح الباب أمام نقل التكنولوجيا المتقدمة وتطوير الكفاءات الوطنية، لتصبح أحد أهم المشروعات القومية التي ستسهم في دعم التنمية الاقتصادية لعقود مقبلة.