رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

«القاهر-2».. الحفار المصري الذي أعاد إشعال آمال الغاز في البحر المتوسط

تعبيرية
تعبيرية

في أعماق البحر المتوسط، وعلى بعد أميال من ساحل بورسعيد، يتحرك الحفار البحري المصري “ القاهر-2” كواحد من أهم أدوات الدولة في معركة الطاقة والاكتفاء الذاتي، بعدما نجح في تحقيق كشف غازي وصفه مسؤولون بأنه من أبرز الاكتشافات خلال السنوات الأخيرة، في خطوة تعكس التحول الكبير الذي يشهده قطاع البترول المصري في مجالات البحث والاستكشاف والتكنولوجيا البحرية.

النجاح الذي حققه الحفار في البئر الاستكشافية “دنيس غرب 1X” بمنطقة امتياز تمساح لم يكن مجرد إضافة رقمية إلى احتياطات الغاز، بل حمل دلالات أوسع تتعلق بقدرة مصر على تطوير أدواتها الوطنية في قطاع الحفر البحري، وتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للطاقة في شرق المتوسط.

كشف دنيس

نجح الحفار “القاهر-2” في تنفيذ أعمال الحفر الاستكشافي بمنطقة امتياز تمساح قبالة ساحل بورسعيد، وهو ما أسفر عن تحقيق كشف غازي واعد تُقدَّر احتياطاته الأولية بنحو 2 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، و130 مليون برميل من المتكثفات

وهي أرقام اعتبرها متخصصون مؤشراً مهماً على استمرار وجود فرص واعدة داخل المياه الاقتصادية المصرية بالبحر المتوسط، خاصة في المناطق العميقة التي تتطلب تقنيات حفر متقدمة وقدرات تشغيلية عالية.

ويعد الكشف الجديد إضافة مهمة إلى خريطة إنتاج الغاز المصري، في وقت تسعى فيه الدولة إلى زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات، وسط تحديات إقليمية ودولية مرتبطة بأسواق الطاقة.

زيارة مدبولي وبدوي

وعقب الإعلان عن الكشف، توجه الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، يرافقه المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، إلى موقع الحفار “القاهر-2” بالبحر المتوسط، في زيارة حملت رسائل دعم واضحة لقطاع البترول والعاملين به.

وشارك في الجولة عدد من قيادات قطاع البترول، إلى جانب مسؤولي شركة “إيني” الإيطالية، المستثمر الرئيسي في منطقة الامتياز، وشركة “بي بي” البريطانية الشريك في المشروع.

وخلال الزيارة، تفقد رئيس الوزراء غرفة التحكم الرئيسية بالحفار، واطلع على إمكاناته الفنية والتكنولوجية، كما استمع إلى شرح تفصيلي حول مراحل الحفر والاستكشاف وآليات العمل المستخدمة في المياه العميقة.

حفار بتكنولوجيا المستقبل

لا يُنظر إلى “القاهر-2” باعتباره مجرد حفار بحري تقليدي، بل كمنصة تكنولوجية متطورة تمثل نقلة نوعية في قدرات قطاع الحفر المصري.

فيما يتبع الحفار الشركة الحديثة للحفر (MDC)، ويتميز بعدد من الإمكانات الفنية المتقدمة، أبرزها، القدرة على الحفر حتى عمق 30 ألف قدم تحت سطح الأرض، وكذا العمل بكفاءة في المياه العميقة، بالإضافة إلى استخدام تقنيات الحفر المائل للوصول إلى التكوينات الحاملة للغاز، وتطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي في إدارة عمليات الحفر.

كما يعد “القاهر-2” أول حفار في مصر يستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي بالتعاون مع شركة “شلمبرجير” العالمية، بهدف تحسين كفاءة العمليات وتعزيز معايير السلامة والصحة المهنية.

كيف تمت عملية الحفر؟

بحسب الشرح الذي قدمه المهندس ثروت الجندي، رئيس شركة بترول بلاعيم “بتروبل”، فقد تم تنفيذ أعمال الحفر في منطقة امتياز تمساح على عمق مياه بلغ نحو 98 متراً.

واستخدمت فرق العمل تقنية الحفر المائل للوصول إلى تكوينات جيولوجية تقع على أعماق تتجاوز 4 آلاف متر تحت سطح البحر، وهي عمليات معقدة تتطلب دقة عالية وتقنيات متقدمة لضمان الوصول الآمن إلى الطبقات الحاملة للغاز.

ويعكس نجاح هذه العمليات تطور قدرات الكوادر المصرية العاملة في قطاع الحفر البحري، وقدرتها على إدارة عمليات استكشاف معقدة وفق المعايير العالمية.

رهان التكنولوجيا والطاقة

وأكد الدكتور مصطفى مدبولي خلال الجولة أن الدولة المصرية تعمل على توطين التكنولوجيا الحديثة في قطاع البترول والغاز، بالتعاون مع كبرى الشركات العالمية، بما يسهم في زيادة الإنتاج ورفع كفاءة عمليات البحث والاستكشاف.

وأشار إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي وجه بضرورة تطوير آليات البحث والتنمية والاستكشاف، بهدف تلبية الاحتياجات المحلية من الطاقة، وكذا تقليل الاعتماد على الاستيراد، بالإضافة إلى دعم الاقتصاد الوطني، وتعزيز أمن الطاقة المصري

كما شدد رئيس الوزراء على التزام الدولة بسداد مستحقات الشركات الأجنبية العاملة في مصر، باعتبار ذلك عاملاً أساسياً في جذب المزيد من الاستثمارات لقطاع الطاقة.

استثمارات تتدفق لمصر

من جانبه، أوضح المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، أن كشف “دنيس” يُعد ثمرة مباشرة لسياسات تحفيز الاستثمار وسداد مستحقات الشركاء الأجانب.

وأشار إلى أن الوزارة تعمل على الانتهاء من تسوية المستحقات بالكامل بحلول نهاية يونيو المقبل، بما يعزز ثقة المستثمرين ويدفع الشركات العالمية إلى ضخ مزيد من الاستثمارات في السوق المصرية.

وكشف الوزير عن خطط استثمارية ضخمة أعلنت عنها شركات عالمية، تشمل 8 مليارات دولار لشركة “إيني” الإيطالية، و5 مليارات دولار لشركة “بي بي” البريطانية، و2 مليار دولار لشركة “أركيوس” الإماراتية، وكذا توسعات جديدة لشركة “شل” في البحر المتوسط، بالإضافة زيادة استثمارات “أباتشي” بالصحراء الغربية

وتتجاوز القيمة الإجمالية لهذه الاستثمارات مليارات الدولارات، ما يعكس استمرار جاذبية قطاع الطاقة المصري رغم التحديات الاقتصادية العالمية.

ساحة الطاقة الجديدة

وخلال السنوات الأخيرة، تحول البحر المتوسط إلى إحدى أهم مناطق إنتاج الغاز في العالم، مع تصاعد الاكتشافات الكبرى في المياه الاقتصادية لدول المنطقة.

وفي هذا السياق، تسعى مصر إلى تعزيز موقعها كمركز إقليمي للطاقة، مستفيدة من موقعها الجغرافي، والبنية التحتية المتطورة، وكذا محطات الإسالة والتغويز، بالإضافة إلى اتفاقيات الربط والتصدير، والشراكات مع الشركات العالمية

ويمثل نجاح “القاهر-2” في كشف “دنيس” خطوة جديدة في هذا المسار، خاصة مع استمرار خطط التوسع في أعمال الحفر والاستكشاف بالمياه العميقة.

العامل بقلب المعادلة

وخلال جولته، حرص رئيس الوزراء على لقاء العاملين من شركتي “بتروبل” و”الحديثة للحفر”، موجهاً لهم التحية على جهودهم في تنفيذ الأعمال داخل بيئة بحرية معقدة، وفق أعلى معايير السلامة.

ويؤكد هذا المشهد أن العنصر البشري ما يزال يمثل الركيزة الأساسية في نجاح قطاع البترول، إلى جانب التكنولوجيا والاستثمارات.

مرحلة جديدة من الاكتشافات

ومع استمرار برامج الحفر والاستكشاف، يبدو أن مصر تدخل مرحلة جديدة من العمل المكثف لزيادة إنتاج الغاز الطبيعي، سواء عبر تطوير الحقول القائمة أو تسريع تنمية الاكتشافات الجديدة.

وفي النهاية يظل “القاهر-2” رمزاً لهذه المرحلة؛ حفاراً مصرياً يتحرك في أعماق المتوسط، حاملاً معه رهانات الدولة على التكنولوجيا والطاقة والاستثمار، في معركة طويلة عنوانها: تأمين المستقبل الاقتصادي والطاقة الوطنية.

تم نسخ الرابط