«نهاية زمن التعقيد».. قانون الأحوال الشخصية الجديد يغيّر قواعد اللعبة داخل الأسرة
ظلت أروقة محاكم الأسرة في مصر لسنوات طويلة شاهدة على نزاعات ممتدة استنزفت استقرار العديد من الأسر، حيث ساهمت الثغرات القانونية وبطء إجراءات التقاضي في تحويل حالات الانفصال إلى صراعات قانونية طويلة، كان الأطفال هم الطرف الأكثر تأثرًا بها.
وفي هذا السياق، يأتي مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد لعام 2026 ليقدم – وفق ما يطرحه – نقلة تشريعية تهدف إلى إعادة التوازن داخل منظومة الأسرة، وسد الثغرات التي استُغلت لسنوات، بما يضمن حماية الحقوق وتخفيف حدة النزاعات.
النفقة.. إجراءات عاجلة وكشف كامل للدخل الحقيقي
استهدف المشروع معالجة واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيدًا في قضايا الأسرة، وهي ملف النفقة، حيث كانت صعوبة إثبات الدخل الحقيقي للزوج وطول إجراءات التقاضي تمثل عائقًا رئيسيًا أمام حصول الزوجة والأبناء على حقوقهم.
ونصت التعديلات على إلزام القاضي بإصدار أمر على عريضة بتقدير نفقة مؤقتة خلال فترة قصيرة من رفع الدعوى، بما يضمن توفير احتياجات الأسرة بشكل فوري لحين صدور الحكم النهائي.
كما توسع القانون في وسائل تقدير دخل الزوج، فلم يعد الاعتماد مقتصرًا على المستندات الورقية، بل أتاح لنيابة الأسرة صلاحية الاستعلام الإلكتروني المباشر عن الحسابات البنكية، والممتلكات العقارية، والثروات المختلفة، بما يعكس الدخل الفعلي الحقيقي.
وفي المقابل، شدد المشروع العقوبات على حالات التهرب من سداد النفقة، مع تفعيل آليات تقييد الخدمات الحكومية عن الممتنعين، لضمان تنفيذ الأحكام القضائية.
الحضانة والرؤية.. إعادة ترتيب الأولويات لصالح الطفل والأب
أعاد مشروع القانون الجديد تنظيم قواعد الحضانة بما يركز على «المصلحة الفضلى للطفل»، مع إعادة النظر في ترتيب الحاضنين بصورة أكثر توازنًا.
ومن أبرز التعديلات، تقديم ترتيب الأب في أولوية الحضانة ليصبح في مرتبة متقدمة بعد الأم والجدة للأم، بدلاً من ترتيبه المتأخر في القوانين السابقة، بما يمنحه فرصة أكبر لرعاية أبنائه في حالات محددة مثل زواج الأم أو عدم أهليتها.
كما استبدل المشروع نظام الرؤية التقليدي الذي كان يقتصر على ساعات محدودة في أماكن عامة، بنظام «الاستضافة»، الذي يتيح للطرف غير الحاضن اصطحاب الطفل للمبيت معه خلال الإجازات والمناسبات، بما يعزز الروابط الأسرية بشكل طبيعي.
وفي الوقت ذاته، وضع القانون ضوابط صارمة للاستضافة، تشمل إدراج الطفل على قوائم الممنوعين من السفر لمنع أي محاولات سفر غير قانونية، إلى جانب فرض عقوبات جنائية قد تصل إلى الحبس وإسقاط حق الاستضافة في حال مخالفة القواعد أو الامتناع عن إعادة الطفل في الموعد المحدد.
الطلاق.. توثيق إلزامي وضمان كامل للحقوق المالية
كما شملت التعديلات تنظيمًا أكثر صرامة لإجراءات الطلاق، حيث لا يُعتد بالطلاق الشفهي أمام مؤسسات الدولة إلا بعد توثيقه رسميًا لدى المأذون وإخطار الزوجة به، بما يضمن وضوح المراكز القانونية للطرفين.
وأدخل المشروع «وثيقة الاتفاق الملحقة بعقد الزواج أو الطلاق»، والتي تُوثق فيها الالتزامات المالية وآليات الإنفاق وحضانة الأطفال بشكل رضائي، وتكتسب قوة السند التنفيذي المباشر، بما يقلل من الحاجة إلى رفع دعاوى منفصلة متكررة.
وفي السياق ذاته، عزز القانون دور لجان تسوية المنازعات الأسرية، ومنحها صلاحيات أوسع للتدخل وحل النزاعات وديًا قبل اللجوء إلى القضاء، بهدف تقليل عدد القضايا المتراكمة داخل محاكم الأسرة وتخفيف الأعباء النفسية والاجتماعية على الأطراف المتنازعة.
نحو منظومة أسرية أكثر استقرارًا وعدالة
يعكس مشروع قانون الأحوال الشخصية 2026 توجهًا تشريعيًا نحو إعادة ضبط العلاقة الأسرية على أسس أكثر توازنًا، تجمع بين حماية الحقوق، وسرعة الفصل في النزاعات، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، بما يحد من تفاقم الصراعات داخل محاكم الأسرة ويعيد صياغة مفهوم العدالة الأسرية في مصر.