رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

مشروع يغير وجه العتبة.. السر وراء التحول الكبير في أشهر أسواق القاهرة

تطوير العتبة
تطوير العتبة

في قلب القاهرة، حيث تختلط ذاكرة المدينة بضجيج التجارة وروح الناس، لا يبدو تطوير العتبة مجرد مشروع لتجميل الشوارع أو إزالة العشوائية، بل محاولة من الدولة المصرية لإعادة صياغة واحد من أكثر الأماكن ازدحامًا وتأثيرًا في الوعي الشعبي والاقتصادي.

فالدول لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرق ومبانٍ، بل بقدرتها على تحويل الفوضى إلى نظام، والزحام إلى حياة أكثر أمانًا وتنظيمًا، دون أن تفقد الأماكن روحها وتاريخها.

العتبة والموسكي

بدأت القصة وسط الزحام الذي لا يهدأ بتحرك من محافظة القاهرة ووزارة التنمية المحلية والبيئة لإعادة رسم ملامح واحدة من أقدم وأشهر المناطق التجارية في مصر، وهي منطقة العتبة والموسكي، التي طالما شكلت قلب الحركة التجارية النابض في العاصمة لعقود طويلة.

وفي مشهد يعكس حجم التحول الجاري على أرض الواقع، تفقدت الدكتورة منال عوض، صباح اليوم، أعمال المرحلة الثانية من مشروع تطوير سوق العتبة بمحافظة القاهرة، في خطوة تستهدف تحويل المنطقة من بؤرة للازدحام والإشغالات العشوائية إلى نموذج حضاري وتجاري أكثر أمانًا وتنظيمًا.

وجاءت الجولة بحضور عدد من القيادات التنفيذية، من بينهم الدكتور سعيد حلمي عبد الخالق رئيس قطاع التخطيط والتنمية المحلية المتكاملة، إلى جانب ممثلي الجهات والشركات المنفذة للمشروع، ورئيس حي الموسكي، حيث تم استعراض نسب التنفيذ ومراحل التطوير الجارية داخل الشوارع الأكثر كثافة ونشاطًا تجاريًا.

العتبة مشروع حضاري

تعد منطقة العتبة واحدة من أكثر المناطق التجارية ازدحامًا في القاهرة، إذ تستقبل يوميًا آلاف المواطنين والتجار والمتسوقين، لكنها في الوقت نفسه عانت لسنوات طويلة من التكدس العشوائي، وضيق الممرات، واحتلال الأرصفة، وغياب مسارات الطوارئ، ما جعل أي حادث أو حريق يمثل تهديدًا حقيقيًا للأرواح والممتلكات.

ولهذا، جاء مشروع التطوير الحالي ليعالج جذور الأزمة، وليس مجرد تجميل شكلي للمنطقة، إذ يشمل نطاق المرحلة الثانية شوارع امتداد يوسف نجيب، والقطاوي، وباب شرق، إضافة إلى شارعي البوسطة والعتبة، بإجمالي أطوال تصل إلى نحو 1052 مترًا.

وبحسب العرض التنفيذي الذي قُدم خلال الجولة، فإن التدخل الحكومي استهدف في الأساس استعادة المسارات الآمنة لدخول سيارات الإطفاء والإسعاف، بعدما تسببت الإشغالات العشوائية على مدار سنوات في إغلاق الممرات الحيوية وتعقيد التعامل مع أي طارئ.

تطوير 152 محلًا

لا يتوقف المشروع عند تحسين الطرق أو إزالة الإشغالات فقط، بل يمتد إلى إعادة صياغة الهوية البصرية للمنطقة بالكامل، حيث يتضمن تطوير ورفع كفاءة نحو 152 محلًا تجاريًا، إلى جانب ترميم ورفع كفاءة 5 عقارات ذات طراز معماري مميز، و9 عقارات حديثة.

وتسعى الوزارة من خلال هذه الخطوة إلى تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على الطابع التاريخي للمنطقة، وبين إدخال عناصر التطوير الحديثة التي تواكب متطلبات السلامة والتنظيم الحضاري.

ومن المقرر تنفيذ واجهات موحدة للمحال والعقارات، عبر استخدام يافطات خشبية للمباني التراثية، ولافتات “كلادينج” للعقارات الحديثة، بهدف إنهاء حالة الفوضى البصرية والإعلانية التي سيطرت على المنطقة لسنوات طويلة.

كما تشمل أعمال التطوير تركيب مظلات مقاومة للحريق، وتوفير ترابيزات موحدة للباعة، وكاميرات مراقبة، وكشافات إنارة حديثة، فضلًا عن تنفيذ أرضيات “إنترلوك” ومنظومة حماية مدنية متكاملة تضم حنفيات مياه للحريق وبلاعات لصرف مياه الأمطار.

الباعة الجائلون

واحدة من أكثر النقاط حساسية في المشروع كانت كيفية التعامل مع الباعة الجائلين الذين يعتمدون على المنطقة كمصدر رزق يومي.

وفي هذا السياق، أوضح مسؤولو المشروع أن الوزارة قامت بنقل الباعة مؤقتًا إلى حديقة العتبة، في محاولة للحفاظ على استمرارية نشاطهم التجاري وعدم قطع مصادر دخلهم لحين انتهاء الأعمال.

كما سبقت أعمال التطوير سلسلة مكثفة من الاجتماعات التنسيقية مع شركات المرافق المختلفة، لتطوير شبكات الصرف الصحي ومياه الشرب والكهرباء والاتصالات، باعتبارها أولوية أساسية قبل البدء في أعمال التطوير الحضاري.

نسب تنفيذ متقدمة

وكشفت البيانات الرسمية عن تقدم ملحوظ في معدلات تنفيذ أعمال البنية التحتية داخل المنطقة، حيث انتهت شركة مياه الشرب من أعمالها بنسبة 100%، فيما وصلت نسبة تنفيذ أعمال الصرف الصحي إلى نحو 95%.

أما أعمال الكهرباء، فما زالت جارية بنسبة تنفيذ بلغت نحو 15%، بالتوازي مع استكمال أعمال التنسيق الحضاري ورفع كفاءة البيئة العمرانية.

ويؤكد مسؤولون أن المشروع يتم تنفيذه وفق جدول زمني مكثف، مع متابعة يومية لضمان الانتهاء من الأعمال في المواعيد المحددة، خاصة أن المنطقة تمثل شريانًا تجاريًا حيويًا لا يحتمل تعطيلًا طويلًا.

رسائل طمأنة للتجار

وخلال الجولة، حرصت الوزيرة على التحدث مباشرة مع عدد من الباعة وأصحاب المحال التجارية، للاستماع إلى آرائهم وملاحظاتهم بشأن أعمال التطوير.

وأكدت أن الهدف ليس إزالة النشاط التجاري التاريخي للعتبة، بل الحفاظ عليه وتطويره في إطار أكثر أمانًا وتنظيمًا، بما يحقق بيئة عمل أفضل للتجار وتجربة أكثر راحة وأمانًا للمواطنين.

كما شددت على ضرورة الالتزام الكامل بالجدول الزمني، مع استمرار التنسيق مع جهاز التنسيق الحضاري والشركات المنفذة لرفع كفاءة واجهات المباني والحفاظ على الهوية المعمارية والجمالية للمنطقة.

ووجهت أيضًا بزيادة أعمال التشجير والتجميل، خاصة في شارعي العتبة والبوسطة، مع ربط أعمال المرحلة الثانية بما تم تنفيذه سابقًا في المرحلة الأولى، لضمان خروج المشروع بصورة حضارية متكاملة.

هل تستعيد العتبة بريقها؟

وفي النهاية يبقى السؤال الأبرز بعد انطلاق أعمال التطوير هل تنجح الدولة في إعادة العتبة إلى مكانتها التاريخية كواحدة من أهم المناطق التجارية في الشرق الأوسط؟

الإجابة تبدو مرتبطة بقدرة المشروع على تحقيق المعادلة الصعبة بين التنظيم الحضاري والحفاظ على الروح الشعبية والتجارية التي صنعت شهرة المنطقة لعشرات السنين.

لكن المؤكد حتى الآن أن ما يحدث في العتبة لم يعد مجرد أعمال رصف أو دهانات، بل محاولة لإحياء قلب القاهرة التجاري بطريقة تليق بتاريخ المكان وتحديات المستقبل.

تم نسخ الرابط