رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

شحاتة زكريا يكتب: تعب لا يُرى… لكنه يُدار كل يوم

شحاتة زكريا
شحاتة زكريا


في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه الأزمات لم يعد التعب كما نعرفه قديما. لم يعد ذلك التعب الصاخب الذي يفرض نفسه على المشهد بل أصبح أكثر هدوءا أكثر عمقا وأكثر خطورة. هو تعب لا يُرى لكنه يدار كل يوم بوعي أحيانا وبغريزة البقاء في أحيان أخرى.. لم تعد الضغوط استثناء طارئا في حياة الناس بل تحولت إلى جزء أصيل من تفاصيلها اليومية. كأن الإنسان المعاصر لم يعد يُسأل كيف يعيش بل كيف يتحمل. وهنا يتغير تعريف القوة..  فالقوة لم تعد في القدرة على المواجهة الصاخبة بل في القدرة على الاستمرار رغم كل شيء في الصمت دون أن ينهار الإيقاع الداخلي للحياة.. في البيوت بعيدا عن صخب التحليلات والبيانات تُدار حياة كاملة بحسابات دقيقة ليست اقتصادية فقط بل نفسية أيضا. أم تعيد ترتيب يومها وفق معادلة لا تخضع للرفاهية بل للضرورة. تختصر احتياجاتها وتؤجل رغباتها وتُحسن توزيع ما لديها من طاقة قبل المال. أب يُجيد الصمت أكثر مما يُجيد الكلام لأنه يعرف أن بعض الكلمات قد تقلق أكثر مما تُطمئن. يحمل في داخله أسئلة كثيرة لكنه يختار أن يُظهر إجابات مختصرة… حفاظا على تماسك من حوله.. أما الشباب فهم في قلب هذه المعادلة المعقدة. يعيشون بين عالمين: عالم يَعِد وعالم يفرض. أحلامهم لم تختفي لكنها أصبحت أكثر حذرا. طموحاتهم لم تتراجع لكنها باتت مشروطة. يُجيدون التكيف ويتقنون الظهور بصورة متماسكة لكنهم في لحظات الصمت يعيدون تقييم كل شيء: المسار والاختيارات وحتى تعريف النجاح نفسه.
هذا التعب ليس وليد لحظة بل هو حصيلة تراكمات متتالية. الاقتصاد يتغير والفرص تعاد صياغتها، وأنماط الحياة تتحول بسرعة تفوق قدرة الإنسان على الاستيعاب الكامل. وبين كل ذلك يقف الإنسان في المنتصف لا يملك رفاهية التوقف ولا القدرة على الانفصال عن الواقع. يواصل السير لأنه لا خيار آخر.. لكن اللافت في هذا المشهد ليس فقط وجود التعب بل الطريقة التي يدار بها. هناك قدرة اجتماعية غير معلنة على التكيف على إعادة ترتيب الأولويات وعلى خلق مساحات صغيرة من التوازن داخل واقع مضطرب. الناس تتعلم كيف تعيش بأقل وكيف تفرّق بين الضروري والممكن وكيف تبقي على الحد الأدنى من الاستقرار النفسي رغم التحديات.. هذه الإدارة اليومية للتعب ليست مثالية لكنها فعّالة. هي التي تمنع الانهيار وتُبقي المجتمع في حالة تماسك نسبي. لكنها في الوقت نفسه ليست بلا تكلفة. لأن كل تأجيل وكل تنازل وكل محاولة للتكيف تترك أثرا داخليا قد لا يظهر فورا لكنه يتراكم ببطء.. وهنا تكمن المفارقة: أن أخطر ما في هذا التعب أنه لا يُرى بسهولة. لا يُقاس بالأرقام ولا يظهر في المؤشرات التقليدية لكنه حاضر في التفاصيل الصغيرة. في نبرة صوت أقل حماسا في قرار مؤجل في حلم تم تقليصه دون إعلان. في ذلك الشعور الخافت الذي يمر دون ضجيج لكنه يُغير الكثير.. والمشكلة ليست في وجود الضغوط فالتاريخ الإنساني مليء بها بل في استمراريتها دون متنفس كافي حين يصبح التعب حالة دائمة لا استثناء يبدأ الإنسان في إعادة ضبط مشاعره ليس ليكون أكثر قوة بل ليكون أقل تأثرا. ومع الوقت قد يتحول ذلك إلى نوع من اللامبالاة أو إلى انسحاب داخلي صامت يفقد الحياة جزءا من معناها.. من هنا يصبح التعامل مع هذا الواقع أكثر تعقيدا من مجرد تقديم حلول اقتصادية أو إجراءات إصلاحية  رغم أهميتها. المسألة تتعلق أيضا بالشعور العام بالإحساس بأن ما يحدث مفهوم ومُقدر وبأن هناك رؤية تُدرك حجم التحديات الإنسانية لا الرقمية فقط.. الناس لا تبحث عن وعود كبيرة بقدر ما تبحث عن وضوح. عن قدرة على التنبؤ ولو نسبيا بما هو قادم. عن خطاب يُشبهها يُخاطبها من داخل تجربتها لا من خارجها. لأن الفجوة بين الواقع والخطاب حين تتسع،
تُضاعف من أثر التعب حتى لو تحسنت بعض المؤشرات.
كما أن المجتمع بكل مكوناته مدعو للقيام بدوره في هذه اللحظة. الإعلام ليس مجرد ناقل للأحداث بل شريك في تشكيل الوعي. يمكنه أن يُوازن بين نقل الحقيقة وبين عدم تعميق الإحباط. النخب مطالبة بأن تُقدم رؤى قابلة للفهم والتطبيق لا مجرد تنظير بعيد عن الواقع. وحتى الأفراد في دوائرهم الصغيرة يمكن أن يكونوا جزءا من تخفيف هذا العبء بكلمة بدعم بحضور إنساني صادق.. وفي قلب كل ذلك يظل الأمل عنصرا لا غنى عنه. ليس الأمل الساذج الذي يتجاهل الواقع بل الأمل الواعي الذي يدرك صعوبة المرحلة لكنه لا يسلم لها بالكامل. لأن فقدان الأمل لا يُنهي الأزمات بل يُعمّقها.. قد يكون من السهل أن نقول إن الناس اعتادت أو أنها أصبحت أكثر صلابة لكن الحقيقة أكثر تعقيدا. الناس لم تعتد بقدر ما تأقلمت ولم تَصلب بقدر ما أصبحت أكثر حذرا في التعبير عن ضعفها. وهذا الفارق مهم لأنه يُحدد كيف يمكن قراءة المشهد وكيف يمكن التعامل معه.. في النهاية يبقى هذا التعب رغم خفائه واحدا من أبرز ملامح المرحلة. وهو ليس دليلا على الانكسار بل على محاولة مستمرة للحفاظ على التوازن في واقع غير متوازن. لكنه أيضا رسالة صامتة تحتاج إلى من يقرأها جيدا.. رسالة تقول إن الإنسان مهما بلغت قدرته على التحمل يحتاج إلى مساحات للراحة إلى لحظات يشعر فيها أن الجهد الذي يبذله له معنى وأن المستقبل رغم غموضه ليس مغلقا بالكامل.. ربما لا نملك رفاهية تغيير كل الظروف لكننا نملك القدرة على فهمها بشكل أعمق وعلى التعامل معها بقدر أكبر من الإنسانية. لأن المجتمعات في نهاية الأمر لا تُقاس فقط بقدرتها على الصمود بل بقدرتها على حماية إنسانها من أن يذبل وهو واقف.. وهنا يصبح السؤال مفتوحا: كيف نُبقي على هذا التوازن الدقيق بين الاستمرار والإنهاك؟ بين الواقعية والأمل؟ بين إدارة التعب… وعدم الاستسلام له؟
الإجابة قد لا تكون واحدة لكنها تبدأ من إدراك أن ما لا يُرى لا يعني أنه غير موجود. وأن ما يدار كل يوم بصمت يستحق أن يُفهم وأن يُخفف وأن يُؤخذ على محمل الجد.
لأن الإنسان قد ينجح في إخفاء تعبه طويلا  لكنه لا يستطيع أن يعيش طويلا بدونه اعتراف.

تم نسخ الرابط