رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

بين حماية الكيان وإعادة تعريف العلاقة.. مشروع قانون الأسرة الجديد

ارشيفية
ارشيفية

في خطوة تشريعية تهدف إلى مواكبة تعقيدات الواقع الاجتماعي، يطرح مشروع قانون الأسرة الجديد معالجة دقيقة لإحدى أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا: “الزوج المفقود”. القضية التي طالما أثارت جدلًا قانونيًا وإنسانيًا، تجد اليوم إطارًا أكثر وضوحًا وتنظيمًا، يوازن بين حقوق الزوجة واستقرار الأسرة، وبين احتمالات عودة المفقود إلى الحياة.

متى يعد المفقود ميتا؟ 

للمرة الأولى، يحدد مشروع القانون بشكل تفصيلي الحالات التي يمكن فيها اعتبار المفقود متوفى، مستندًا إلى تطور وسائل الاتصال الحديثة التي قلّصت مساحات الغموض.

وينقسم الفقد إلى ثلاث حالات رئيسية الا وهي الفقد في ظروف عادية غامضة، كأن يخرج الشخص لقضاء حاجة ولا يعود، وهنا يشترط مرور 3 سنوات كاملة مع إجراء تحريات دقيقة، قبل إصدار حكم باعتباره متوفى.

وكذا الفقد في الكوارث والحوادث المهلكة مثل حوادث الطائرات، غرق السفن، الزلازل أو الحرائق، وهنا يكتفى بمرور 30 يومًا فقط بعد عمليات البحث والتحري.

واخيرا الفقد أثناء العمليات الحربية أو الأمنية، وفي هذه الحالة، يتم الانتظار 6 أشهر بعد استنفاد جهود البحث، على أن يصدر قرار رسمي من رئيس مجلس الوزراء أو وزير الدفاع أو الداخلية، ويكون لهذا القرار قوة الحكم القضائي.

أما في الحالات غير المحددة، فقد منح القانون القاضي سلطة تقديرية، على ألا تقل مدة الفقد عن 4 سنوات.

الزوجة في مواجهة المجهول

لم يغفل المشروع وضع زوجة المفقود، التي تجد نفسها بين احتمالين الأمل في عودته، أو ضرورة استكمال حياتها.

فبمجرد صدور حكم بوفاة الزوج تلتزم الزوجة بعدة الوفاة، ثم يتم تقسيم التركة على الورثة الأحياء وقت صدور الحكم، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات إنسانية حول التوازن بين الاستقرار النفسي والحقوق القانونية.

إذا عاد المفقود

وفي واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل، عالجها المشروع في المادة (114)، واضعًا سيناريوهات متعددة عن عودة المفقود ؛ إذا عادت الزوجة إلى زوجها المفقود بعد ثبوت حياته، يُعاد الزواج الأول؛ إلا إذا كانت قد تزوجت من آخر ودخل بها، وكان الزوج الثاني لا يعلم بحياة الأول، فيستمر الزواج الثاني، وينفسخ الأول؛ أما في حال عدم الدخول بالزوجة، أو علم الزوج الثاني بحياة الزوج الأول، فإن الزواج الثاني يعد مفسوخا.

هذا التنظيم يسعى إلى تحقيق معادلة دقيقة الا وهي حماية الأسرة الجديدة من الانهيار، مع منع التحايل أو سوء النية.

مشروع قانون شامل

لا يقتصر مشروع القانون على قضية المفقود، بل يأتي ضمن رؤية أوسع لإعادة تنظيم الأحوال الشخصية، من خلال نحو 355 مادة، تستهدف تقليل النزاعات الأسرية وتحقيق العدالة.

وقد أحيل المشروع إلى لجنة مشتركة بمجلس النواب لدراسته، في خطوة تمهيدية لإقراره.

تغييرات تمس كل بيت

يتضمن المشروع مجموعة من البنود المثيرة للنقاش منها رفع سن الحضانة، وبقاء الطفل مع الأم حتى سن 15 عامًا، ثم يُمنح حق الاختيار، وكذا وضع الأب في المرتبة الثانية مباشرة، والاستضافة بدلًا من الرؤية، وكذا تمكين الطرف غير الحاضن من قضاء وقت أطول مع الطفل حد أدنى مرتين شهريًا، وكذاإمكانية "الاستضافة الإلكترونية" في حالات السفر

كما لفت مشروع القانون الجديد إلى أن الامتناع عن التنفيذ قد يؤدي إلى سقوط الحضانة، بالإضافة إلى تجريم الزواج المبكر، وتحديد سن الزواج بـ 18 عامًا، وتشديد العقوبات على المخالفين، وإلغاء الاعتداد بالطلاق الشفهي، حيث لا يُعترف بالطلاق إلا إذا تم توثيقه خلال 30 يومًا

أما عن حقوق الزوجة المالية فحددها القانون بان قائمة المنقولات حق خالص للزوجة، لا يجوز التصرف فيها أو التنازل عنها

وعن تنظيم الطلاق قضائيًا، إلزام القانن اللجوء للقضاء في بعض الحالات، بالإضافة إلى منح الزوجة حق فسخ العقد خلال 6 أشهر إذا ثبت التدليس، وإنشاء صندوق دعم الأسرة يضمن صرف النفقات للمطلقة والأبناء بسرعة بما يخفف من أعباء التقاضي

بين العدالة والاستقرار

فيما يرى خبراء أن مشروع القانون يمثل نقلة نوعية في التعامل مع قضايا الأسرة، خاصة في ضبط الحالات الشائكة مثل "المفقود" وكذا تقليل النزاعات القضائية بالإضافة إلى حماية حقوق المرأة والطفل

لكن في المقابل، تظل بعض البنود محل نقاش مجتمعي، خاصة ما يتعلق بالاستضافة، وإجراءات الطلاق، وحدود تدخل القضاء.

إعادة تعريف العلاقة

وفي النهاية فمشروع قانون الأسرة الجديد لا يعيد فقط كتابة النصوص القانونية، بل يحاول إعادة تعريف العلاقة داخل الأسرة المصرية.

ففي قلب هذه التعديلات، تظل قضية "الزوج المفقود" نموذجًا واضحًا لمحاولة التوفيق بين الواقع الإنساني المعقد، ومتطلبات العدالة القانونية، حيث لا يكون الغياب مجرد حالة، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة القانون على احتواء المجهول.

تم نسخ الرابط