فيروس هانتا القاتل.. هل العالم أمام جائحة جديدة مثل كورونا؟
في كل مرة يظن فيها الإنسان أنه أحكم سيطرته على العالم، تظهر كائنات لا تُرى لتعيد ترتيب هذا الوهم من جديد.
ليست الفيروسات مجرد كائنات دقيقة عابرة، بل رسائل خفية تذكرنا بأن التوازن بين الإنسان والطبيعة ليس عقدًا دائمًا، بل علاقة هشّة قابلة للاختلال في أي لحظة.
وبينما ينشغل البشر بصخب المدن وتسارع الحياة، تتحرك هذه الكيانات في صمت، لا تُرى ولا تُسمع، لكنها قادرة على تغيير مصائر كاملة.

جائحة COVID-19
ففي وقت لم يتعافَ فيه العالم بالكامل من آثار جائحة COVID-19، عاد القلق الصحي ليتصدر المشهد مجددًا، مع تصاعد الحديث عن فيروس “هانتا”، عقب تسجيل وفيات وإصابات على متن سفينة سياحية في المحيط الأطلسي، في واقعة أثارت تساؤلات واسعة حول طبيعة هذا الفيروس، ومدى قدرته على التحول إلى تهديد عالمي جديد.
بدأت القصة مع تصريحات منظمة الصحة العالمية التي اكدت إن ثلاثة أشخاص لقوا حتفهم بعد تفشٍ مشتبه به لفيروس هانتا على متن سفينة سياحية كانت تبحر في المحيط الأطلسي، فيما يرقد مواطن بريطاني يبلغ 69 عاماً في حالة حرجة لكنها مستقرة داخل وحدة العناية المركزة في جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا، بعد تأكيد إصابته بسلالة من فيروس هانتا.
تفش بعرض البحر
فيما قالت شركة "أوشنوايد اكسبديشنز" الهولندية، المشغلة للسفينة "أم في هونديوس" إن زوجين هولنديين ومواطناً ألمانياً توفوا، لكن أسباب الوفاة لم تحدد بعد؛ وأوضحت أن الإصابة بفيروس هانتا تأكدت فقط لدى المواطن البريطاني الموجود في جنوب أفريقيا.
ورغم عدم صدور تأكيد نهائي بشأن جميع الحالات، فإن مجرد الاشتباه في فيروس نادر وخطير كان كافيًا لإعادة طرح تساؤلات قديمة حول الأمراض الحيوانية المنشأ، وقدرتها على العبور إلى الإنسان في ظروف غير متوقعة.

ما هو فيروس هانتا؟
ينتمي فيروس هانتا إلى مجموعة من الفيروسات التي تنتقل أساسًا عبر القوارض، مثل الفئران والجرذان، ويعد من الفيروسات المنتشرة في مختلف قارات العالم؛ وقد اشتق اسمه من نهر “هانتان” الواقع بين الكوريتين، حيث تم التعرف عليه لأول مرة خلال خمسينيات القرن الماضي.
وتكمن خطورته في كونه لا يحتاج إلى اتصال مباشر دائم بالقوارض، إذ يمكن أن ينتقل عبر استنشاق جزيئات دقيقة محملة بالفيروس من فضلات القوارض الجافة، أو من خلال ملامسة الأسطح الملوثة، أو حتى تناول طعام تعرض للتلوث؛ وفي حالات نادرة، قد تنتقل العدوى عبر العض أو الخدش.
أعراض خادعة
تتراوح فترة حضانة الفيروس بين خمسة أيام وستين يومًا، وهو ما يمنحه قدرة على الانتشار الصامت قبل ظهور الأعراض؛ وغالبًا ما تبدأ الإصابة بأعراض بسيطة تشبه الإنفلونزا، مثل الحمى والصداع وآلام العضلات والغثيان، ما قد يؤدي إلى تأخر التشخيص.
لكن في بعض الحالات، تتدهور الحالة الصحية سريعًا، لتتحول الأعراض إلى مشكلات خطيرة تشمل ضيق التنفس الحاد، أو الفشل التنفسي، أو حتى الفشل الكلوي، بحسب نوع السلالة الفيروسية.

نسبة وفيات مرتفعة
تشير التقديرات إلى أن نسبة الوفيات في الحالات التنفسية الشديدة قد تصل إلى نحو 38%، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بعدد من الأمراض الفيروسية الأخرى. ورغم ذلك، لا يوجد حتى الآن علاج نوعي مباشر لفيروس هانتا، حيث يعتمد التعامل معه على الرعاية الطبية الداعمة، مثل توفير الأكسجين، والعلاج داخل وحدات العناية المركزة، وفي بعض الحالات اللجوء إلى أجهزة التنفس الصناعي أو غسيل الكلى.
أرقام مقلقة
يسجل العالم آلاف الحالات سنويًا، خاصة في آسيا وأوروبا والأمريكتين، مع تركز ملحوظ في بعض الدول مثل الصين.
ومع ذلك، تظل هذه الأرقام محدودة نسبيًا مقارنة بالأوبئة واسعة الانتشار، نظرًا لطبيعة انتقال الفيروس التي تعتمد بشكل رئيسي على الاحتكاك بالقوارض.

هل نحن أمام جائحة؟
رغم المخاوف المتصاعدة، تؤكد منظمة الصحة العالمية أن فيروس هانتا لا ينتقل بسهولة بين البشر، وأن حالات انتقاله من إنسان لآخر نادرة للغاية.
كما تشير إلى أن الخطر على الصحة العامة لا يزال منخفضًا، ولا توجد مؤشرات حاليًا على تحوله إلى جائحة عالمية على غرار كورونا.
الوقاية خط الدفاع الأول
في ظل غياب علاج محدد، تبقى الوقاية هي الوسيلة الأهم لمواجهة الفيروس، من خلال تجنب أماكن تواجد القوارض، وكذا إحكام غلق المنافذ التي قد تتسلل منها، واستخدام أدوات الوقاية الشخصية أثناء تنظيف الأماكن المغلقة، بالإضافة إلى تجنب استنشاق الغبار الملوث بفضلات القوارض.

بين القلق والواقع
وفي النهاية يطرح فيروس هانتا نفسه كواحد من التهديدات الصحية التي تذكر العالم بمدى هشاشة التوازن بين الإنسان والبيئة، لكنه في الوقت ذاته لا يزال تحت السيطرة من الناحية الوبائية. وبينما تستمر التحقيقات حول الحادثة الأخيرة، يبقى السؤال قائمًا: هل هو إنذار مبكر، أم مجرد حدث عابر في سجل الأمراض النادرة؟




