مصطفى بكري يكتب: شهادتي وذكرياتي.. حكومة جديدة “الحلقة 85”
فى الرابع والعشرين من يوليو 2012 كلف الرئيس محمد مرسى د. هشام قنديل بتشكيل الحكومة خلفًا للحكومة التى ترأسها الدكتور كمال الجنزورى.. أحدث اختيار قنديل صدمة كبيرة فى الشارع؛ فالرجل لم يكن له تاريخ معروف فى العمل السياسى أو الاقتصادى، كان مسئولًا عن المكتب الفنى لوزير الرى الأسبق، ثم جرى اختياره وزيرًا للرى فى عهد حكومة الدكتور الجنزورى.
شهادتى وذكرياتي.. حكومة جديدة “الحلقة 85”
لقد رافق د.هشام قنديل إبان توليه منصبه الوزارى بوزارة الرى الرئيس مرسى خلال مشاركته فى القمة الإفريقية فى أديس أبابا.
كان معروفًا قبل ذلك بأنه من العناصر المقربة لجماعة الإخوان المسلمين، ويبدو أن ذلك كان سببًا رئيسًا وراء اختياره لمنصب رئيس الحكومة وتكليفه بتشكيلها.
وفى الثانى من شهر أغسطس، أعلن رئيس الوزراء عن تشكيل الحكومة، التى ضمت عددًا محدودًا من التشكيل السابق كان أبرزهم: وزير الدفاع المشير حسين طنطاوى وزير الخارجية محمد كامل عمرو، وزير المالية ممتاز السعيد.
لقد أثار مشهد المشير طنطاوى وهو يؤدى القسم أمام الرئيس دهشة الكثيرين؛ ذلك أن الإعلان الدستورى المكمل ينص على أن رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة هو المسئول عن تعيين وزير الدفاع وبقية المناصب العسكرية الأخرى، وعندما حضر المشير اجتماع مجلس الوزراء الذى ترأسه الرئيس د.محمد مرسي، كان المشهد مؤلمًا للكثيرين، الذين أدركوا أن موعد الإطاحة بالمشير قد اقترب، وأن تراجعه بهذا الشكل يمكن أن يدفع الرئيس إلى عزله عن موقعه، خاصة أن المشير رفض نصائح عديدة من رفاقه.
كانت الحكومة الجديدة صدمة للكثيرين، لقد خلت من أى وجوه غير تلك المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين أو بعض التكنوقراط، وقد جاء التشكيل مخالفًا للوعد الذى قطعه الرئيس محمد مرسى على نفسه بتشكيل حكومة ائتلافية تضم تيارات وأحزابًا وشخصيات سياسية عديدة.
كان أخطر ما فى تشكيل هذه الحكومة فى هذا الوقت هو تلك الأزمة التى نشبت بين السلفيين وجماعة الإخوان المسلمين ورئيس الدولة، فقد أدرك حزب النور وبقية القوى الإسلامية أنهم تعرضوا لخديعة كبرى من الإخوان، بعد أن تخلوا عن وعودهم بضم عدد كبير من مرشحيهم إلى الحكومة الجديدة.
لم تكن تلك هى الأزمة الأولى، بل كانت نتاجًا لأزمات عديدة بعضها معلن، وبعضها جرى من خلف ستار، غير أن حزب النور أدرك أن الإخوان لن يسمحوا لهم ولا لغيرهم بالمشاركة فى السلطة، سواء داخل مؤسسة الرئاسة أو الحكومة أو حتى فى مواقع المحافظين.
جاءت الأزمة الأولى التى ظهرت ملامحها على الأرض قد جاءت عقب الخلاف الذى نشب بين حزب الحرية والعدالة وحزب النور تجاه حكومة الدكتور الجنزورى، فعلى حين كان الحرية والعدالة يسعى إلى سحب الثقة من حكومة الجنزورى بعد البيان الذى ألقاه أمام البرلمان فى شهر مارس2012، كان نواب حزب النور يرون أنهم وإن كانوا يعترضون على بيان الحكومة وما تضمنه من رؤى وأولويات إلا أنهم يحبذون فى الوقت ذاته استمرار الحكومة لحين إجراء انتخابات الرئاسة وتسلم الرئيس مهام السلطة فى البلاد.
وقد سعت قيادات حزب الحرية والعدالة وممثلو الحزب بالبرلمان إلى محاولة إقناع حزب النور ونوابه بضرورة التوحد مع موقف الحرية والعدالة لسحب الثقة من الحكومة ومقاطعتها والضغط على المجلس العسكرى لإقالتها، إلا أن حزب النور كان واضحًا فى موقفه منذ اللحظات الأولى.
وقد انطلق حزب النور من رؤية تقول: «إن الأجدى هو إجراء تعديلات فى برنامج وخطة الحكومة، بدلًا من إقالتها، خاصة أنه لا يوجد سند دستورى لإقالتها وسحب الثقة منها، ومن ثم لا يتوجب تبنى هذا الخيار».
كان حزب النور يعرف أن هدف حزب الحرية والعدالة فى هذا الوقت هو إقالة الحكومة حتى يتمكن هو باعتباره حزب الأكثرية من تشكيلها، خوفًا من احتمال صدور حكم من المحكمة الدستورية العليا بحل مجلس الشعب استنادًا إلى عدم دستورية قانون الانتخابات، وكان أيضًا يرى أداء الحكومة مرضيًا بغض النظر عن أى تحفظات.
وأمام إصرار حزب النور اضطر حزب الحرية والعدالة إلى التراجع وراح يبحث لنفسه عن مخرج لحفظ ماء الوجه فطلب رئيس مجلس الشعب وقتها من المجلس العسكرى إجراء تغيير ولو محدودًا فى الحكومة حتى يمكن إسكات بعض الأصوات المتشددة داخل البرلمان، وحدث ذلك، وانتهت الأزمة، حتى وإن بقى العداء والمقاطعة للجنزورى وحكومته حتى اليوم الأخير.
لم ينس حزب الحرية والعدالة لحزب النور ونوابه هذا الموقف، حيث شهدت العلاقة توترًا واضحًا، وعندما قرر حزب الحرية والعدالة مقاطعة اجتماعات الأحزاب مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة عقب حادث العباسية، كان د.عماد عبدالغفور )رئيس حزب النور( وممثلا الحزب د.يونس مخيون والسيد خليفة يصرون على حضور هذه الاجتماعات التى استهدفت الاتفاق على تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور.
وفى الوقت الذى سعى فيه نواب حزب الحرية والعدالة إلى التصعيد ضد المجلس العسكرى وأطلقوا العنان للبعض منهم لاتهام المجلس بخيانة الثورة ورفض تسليم السلطة، كان نواب حزب النور أكثر عقلانية فى طرحهم ورؤيتهم، وهو ما أكسبهم احترامًا كبيرًا فى الشارع المصرى.
مواقف عديدة ومتعددة كان الخلاف فيها واضحًا تحت قبة البرلمان، بدا فيها السلفيون أكثر تحررًا من قبضة الإخوان التى أرادوا فرضها، وتعاملوا مع نواب حزب النور وكأنهم تابعون، ليس أمامهم من خيار سوى أن يرددوا كل ما يتفوه به نواب الإخوان ويوافقوهم عليه.
وفى كل هذه الخلافات التى نشبت تحت قبة مجلس الشعب، والتى كانت غالبيتها خلافات مكتومة، ظهر فيها السلفيون أكثر حرصًا على تجاوز اللحظة الحرجة فى علاقاتهم مع الحرية والعدالة، بالرغم من قناعتهم بأن الإخوان يتعاملون معهم بمنطق العلاقة التنافسية أكثر من كونها علاقة تحالفية.
منذ أن بدأ الحديث عن تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور كان حزب النور وبعض قوى السلفية الأخرى يرون أن المادة الثانية من الدستور قد تكون هى العقبة الكئود فى علاقتهم مع حزب الحرية والعدالة والقوى السياسية الأخرى.
لقد قال ممثل حزب النور النائب السابق «السيد خليفة» فى الاجتماع الأخير للأحزاب مع المجلس العسكرى: «إن هدفنا بالأساس من وراء ما نسعى إليه من تحقيق أغلبية للتيار الإسلامى فى تشكيل الجمعية التأسيسية هو التمكن من تطبيق أحكام الشريعة، خاصة أن الجماهير انتخبتنا من أجل تحقيق هذا الهدف».
لقد أكد العديد من نواب حزب النور أنهم حصلوا على وعد من د.محمد مرسى خلال فترة الانتخابات بتطبيق أحكام الشريعة تدريجيًا، وقيل إن الكلام كان يدور حول تطبيق الأحكام وليس المبادئ.
وخلال المناقشات التى جرت فى الجمعية التأسيسية للدستور حدث الخلاف بين الطرفين؛ فقد كان حزب النور وحلفاؤه يطالبون بأن تتضمن المادة الثانية أن تكون أحكام الشريعة الإسلامية وليس مبادئها هى أساس التشريع على عكس الإخوان.
وعندما احتدم الخلاف بين الطرفين وتصاعد تم اللجوء إلى شيخ الأزهر فتم التوصل إلى صيغة وسطية حول نص هذه المادة فى الدستور الذى كان يجرى إعداده تضمن الاحتفاظ بالصيغة نفسها التى نص عليها دستور 1971، مع التوصل إلى تحديد واضح لمعنى مبادئ الشريعة، بحيث تنص على اعتبار القرآن والسنة هما أهم روافد هذه المبادئ.
وقد شهد الاجتماع الذى عقدته مشيخة الأزهر مع ممثلين عن الإخوان والسلفيين انتقادات واضحة وجهها السلفيون إلى الإخوان؛ حيث اتهموهم بالتراجع عن الوعد الذى قطعوه على أنفسهم باستبدال عبارة «مبادئ الشريعة» بعبارة «أحكام الشريعة» فى الدستور الجديد، وهو ما نفاه الإخوان وسط ذهول السلفيين.
وإذا كان الإخوان قد استجابوا لمطلب السلفيين بعدم التطرق إلى مصطلح «مدنية» الدولة فى الدستور الجديد إلا أن موقفهم من قضية »الأحكام« أحدث غصة فى نفوس السلفيين تجاه الإخوان!!، قبيل أن يتم التوصل إلى صيغة المادة(219 ) من الدستور التى نالت رضا السلفيين والتيارات الإسلامية الأخرى فيما بعد.
كانت الخلافات الرئاسية أيضًا نقطة خلافية بين الجانبين؛ فقد أعلن حزب النور مبكرًا موقفه من الانتخابات بتأييده بشكل واضح وصريح للدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح باعتباره الأقرب إليهم فكريًا.
وقد ترك هذا الموقف انطباعًا سلبيًا لدى جماعة الإخوان التى كانت تأمل فى تأييد حزب النور لمرشحها الدكتور محمد مرسى فى الجولة الأولى، وهو أمر دفع العديد من كوادر الإخوان إلى توجيه انتقادات حادة إلى موقف حزب النور.
وبالرغم من أن حزب النور أعلن دعمه الدكتور محمد مرسى فى انتخابات الإعادة، فإن الإخوان ظلوا على موقفهم تجاه حزب النور.. معتبرين أنه تخلى عن تحالفه معهم فى الجولة الأولى.
لقد كان لهذا الموقف تداعياته على العلاقة المشتركة بين الجانبين، الأمر الذى دفع نادر بكار )المتحدث باسم حزب النور( إلى القول تعليقًا على ذلك: «ليس من المقبول الغمز واللمز فى أى من علماء الدعوة السلفية وقيادات حزب النور؛ لأن ذلك باب للفتنة، لابد أن يُغلق؛ لأن النقد لو كان موضوعيًا سنقبله أما إذا كان لمجرد التجريح فليس مقبولًا».
وقال بكار: «إن ما أُثير من لغط حول اختيارات علماء الدعوة السلفية والهيئة البرلمانية لحزب النور لعبدالمنعم أبوالفتوح تم بالتصويت»، وقال: «إنه من المفارقات أن يتحدث البعض عن الذى يقبل أبو الفتوح أو يرفض فى الوقت الذى لم نسأل فيه الإخوان عن الـ52 عضوًا الذين لم يوافقوا على نزول خيرت الشاطر للرئاسة من أعضاء مجلس شورى الجماعة ومن بعده د.محمد مرسى».. مشيرًا إلى أن من أبجديات العمل بالشورى أن يلتزم الجميع بقرارات الأغلبية.
فى هذا الوقت وبعد أن أخذت الأزمة بُعدًا جديدًا فى الخلاف رد د.محمود حسين )الأمين العام لجماعة الإخوان المسلمين( على ذلك بالقول: «إن الإخوان حريصون عـلى التنافس الشريف فى أى عملية ديمقراطية، وضد الإساءة لأى شخص أو فصيل، وليـس بين الجماعة والسلفيين أى عداوة، فحزب النور أعلن تأييده الدكتور أبو الفتوح، لكن العديد من السلفيين بل الأغلبية أيدوا مرشح الإخوان وحزبها الحرية والعدالة د.محمد مرسى، وكل فصيل له الحق فى دعم من يراه مناسبًا».
وعندما ظهر الدكتور محمد مرسى فى مؤتمر صحفى وسط مجموعة من السياسيين قيل إنهم شكلوا جبهة وطنية لدعمه واتفقوا معه على برنامج سياسى محدد حال فوزه فى انتخابات الرئاسة، ولوحظ فى هذا الوقت غياب الحليف الأساسى للإخوان:حزب النور.
لم يتطرق المراقبون إلى هذا الغياب ربما لأنهم اعتبروا أن هذا اللقاء - الذى ضم ممثلين عن قوى وتيارات سياسية وشبابية- له غرض محدد وهو إعلان هذه الجبهة انضمامها إلى بقية حلفاء الإخوان المسلمين، غير أن الوقائع التى تلت أكدت وجود تعمد عدم دعوة حزب النور إلى هذا المؤتمر الصحفى.
كان حزب النور والسلفيون فى هذا الوقت قد احتشدوا جنبًا إلى جنب مع الإخوان المسلمين فى مليونية واعتصام مفتوح بهدف معلن هو إسقاط الإعلان الدستورى المكمل وبهدف غير معلن هو الضغط على اللجنة العليا للانتخابات وعلى المجلس العسكرى بقصد التسليم بفوز د.محمد مرسى برئاسة الجمهورية، إلا أن السلفيين فوجئوا بانسحاب المعتصمين من الإخوان عقب الإعلان عن فوز د.محمد مرسى مباشرة وتخلوا على الفور عن مطلب الإعلان الدستورى المكمل، وهو أمر أثار استياء السلفيين والعديد من القوى التى رابضت فى ميدان التحرير.
وكان أيضًا من الأمور التى أثارت غضب السلفيين فى الميدان أن الخطبة التى ألقاها الرئيس محمد مرسى عقب الإعلان عن فوزه سعت إلى طمأنة المطالبين بمدنية الدولة على حساب المطالبين بتطبيق الشريعة.
ورغم أن د.مرسى حاول فى خطاب ميدان التحرير كسب تعاطف السلفيين وأعضاء الجماعة الإسلامية بالحديث عن سعيه للإفراج عن الشيخ عمر عبدالرحمن المسجون فى الولايات المتحدة، فإنه سرعان ما تراجع عن هذا المطلب بعد الانتقادات الأمريكية الصارخة التى وُجهت له، وهو ما دعا المتحدث الرسمى باسم الرئاسة «ياسر على» إلى القول «إن حديث مرسى عن عمر عبدالرحمن كان من منطلق إنسانى، وإن الرئيس يحترم أحكام القضاء».
وكانت قضية نواب الرئيس واحدة من القضايا الخلافية بين السلفيين والإخوان؛ فقد وعد الرئيس محمد مرسى أثناء جولاته الانتخابية أنه سيعين نائبًا له عن الأقباط ونائبة عن النساء عقب فوزه فى الانتخابات.
وقد أثارت هذه التصريحات تحفظات السلفيين ورفضهم لها، وقيل إنهم تلقوا فى هذا الوقت تطمينات بعدم حدوث ذلك، وأن هذه الوعود لن تخرج عن كونها وعودًا انتخابية.
وبعد نجاح د.مرسى، عاد الحديث مرة أخرى يتردد عن تعيين النائب القبطى والنائبة «المرأة»، فراح السلفيون يستنكرون هذه الوعود ويعلنون رفضهم لها، مما اضطر الشيخ ياسر برهامى )نائب رئيس جماعة الدعوة السلفية( إلى إصدار فتوى تفيد بعدم جواز إسناد منصب نائب الرئيس إلى قبطى أو امرأة، وأكد أن منصب نائب الرئيس ولاية أكيدة خصوصًا مع وجود الصلاحيات، فلا تجوز تولية هذا المنصب -الذى يقوم صاحبه مقام رئيس الدولة عند غيابه لأى سبب- لغير المسلم أو المرأة، وإنما يمكن أن يكونا مستشارَيْن للرئيس!!
عندما كلف الرئيس د.هشام قنديل بتشكيل الحكومة الجديدة خلفًا لحكومة الجنزورى بدأت الاتصالات مع حزب النور ضمن اتصالات أخرى أجراها حزب الحرية والعدالة وقيادات مقربة من رئيس الجمهورية د.محمد مرسى؛ بهدف التوصل إلى تشكيل فريق متجانس يعبر عن جميع القوى الوطنية فى هذا الوقت بالغ الأهمية، وكان أبلغ تعبير عن الحالة التى وصل إليها الأمر هو البيان الذى أصدره حزب النور يوم الجمعة 2 أغسطس وشدد فيه على موقفه الثابت بالدعوة إلى توحيد الصفوف وتضافر جهود جميع القوى الوطنية.. مع السعى الدائم لتشكيل حكومة ائتلاف وطنى بحسب أوزان القوى السياسية ووضعها فى المجتمع.
لقد أشار الحزب فى بيانه إلى عدد من الحقائق، كان مرجعها
ـــ كما يقول إلى أن الأوضاع التى صاحبت تشكيل الوزارة الحالية انتهجت نهجًا بعيدًا عن ذلك المفهوم، وأبرز هذه الحقائق هى:
ـ أنه مع الإدراك التام ووفقًا للإعلان الدستورى الذى يعطى لرئيس الجمهورية الحق فى التكليف بتشكيل الحكومة واختيار الوزراء، إلا أن حزب النور كان يرى أن الأفضل فى المرحلة الحالية هو مشاركة جميع القوى السياسية فى إدارة المرحلة الحالية؛ ضمانًا للالتحام الوطنى فى النهوض بالبلاد من كبوتها وعلاج الأزمات المزمنة.
لقد كان التشكيل الوزارى كما يرى حزب النور فرصة تاريخية مهمة فى هذا التوقيت تحديدًا، بقصد فتح الطريق أمام مشاركة شعبية ووطنية أوسع لإدارة ملفات الأزمة فى هذه الفترة التاريخية الصعبة، خاصة أن البلاد تواجه تحديات عديدة ومشكلات تبدو أكثر خطورة مما يعتقد البعض.
- وتعلقت النقطة الثانية التى تحدث عنها البيان بتوافق جميع القوى الوطنية التى ساهمت بصدق وإخلاص فى إنجاح د.محمد مرسى فى انتخابات الرئاسة؛ حيث تم الاتفاق بين هذه القوى على التكاتف والتشارك فى تحمل المسئولية وإدارة مؤسسات الدولة بعيدًا عن أساليب الإقصاء والتهميش التى كان يمارسها النظام البائد معها..
كانت تلك هى الحقيقة الثانية التى تحدث عنها بيان حزب النور، وقد أراد الحزب أن يؤكد من خلال طرحها أن الإخوان قد نكثوا العهد وتخلوا عن الوعد وقرروا أن يتحملوا المسئولية وحدهم دون السماح بمشاركة آخرين معهم ولو بالتشاور.
- وأشارت النقطة الثالثة التى تضمنها البيان إلى «أن قيادات حزب النور فوجئت بعد خطاب تنصيب الرئيس بالانقطاع الكامل عن عملية التفاهم والتواصل سواء مع مؤسسة الرئاسة أو مع حزب الحرية والعدالة؛ حيث تم التجاهل التام لأى تنسيق أو مبادرة تشاور أو مجرد استطلاع للرأى أو محاولة التعرف على الكفاءات العلمية والفنية والإدارية لحزب النور وجميع القوى السياسية، والذى نرى أنه سيؤثر سلبًا على مجريات الأمور، فى وقت نتطلع فيه إلى العمل بروح جديدة تتناسب مع متطلبات وآمال الشعب المصرى».
- وأكدت النقطة الأخيرة فى هذا البيان أن حزب النور «يجدد إعلانه أن أبناء الحزب جاهزون للعطاء، مستعدون للبذل فى أى موقع وفى كل ميدان، ويعلن بوضوح أنه يمد يده لجميع القوى الوطنية للتنسيق والتعاون من أجل تكوين جبهة موحدة لمواجهة المستجدات على الساحة» وكان ذلك متغيرًا جديدًا.
لقد أثار هذا الموقف حفيظة جماعة الإخوان المسلمين، إلا أنهم لم يردوا أو يسعوا إلى الاتصال بالحزب لترضيته، بل من الواضح أنهم شعروا بأن حزب النور بات يشكل عبئًا عليهم، فتعاملوا معهم بمقولة «بركة يا جامع».
لقد دفع هذا الخلاف المهنـدس أشرف ثابت وكيل مجلس الشعب السابق عن حزب النور إلى إعلان رفضه واستنكاره التشكيل الوزاري، كما أن د.طارق السهرى )وكيل مجلس الشورى( قال معلقًا على موقف حزب النور فى مواجهة الإخوان: «ليس لدينا أزمة فى تشكيل جبهة معارضة مع الأحزاب الليبرالية ضد الحكومة الجديدة إذا كان هذا فى مصلحة البلاد».
وقال السهري: «إن تشكيل حكومة قنديل غير مفهوم».. متسائلًا عن سر التحول الغريب للإخوان من الهجوم على حكومة الجنزورى إلى الاستعانة ببعض أعضائها فى الحكومة الجديدة.. معتبرًا أن هذا يتناقض مع موقف حزب الحرية والعدالة الذى شنَّ حملة شعواء فى مجلس الشعب قبل حله للمطالبة برحيل حكومة الجنزورى.
وقال السهري: «إن حزب النور تلقى أكثر من وعد من الحرية والعدالة ومن د.مرسى بتولى وزارات معينة، وأن النور تقدم بمجموعة من الكفاءات للاستعانة بهم فى الحكومة، إلا أننا فوجئنا بهذا التشكيل الصادم».
أما أحمد الشريف )النائب السلفى السابق( فقد كان أكثر حدة فى رؤيته لما جرى عندما وصف حكومة قنديل بأنها «حكومة الحزب الوطنى الإخوانى لا سلفى ولا تلفي، وأن من يجلس على الكرسى فيها إما إخوانى أو نصرانى أو علمانى».
جاءت هذه التصريحات معبرة عن صدمة السلفيين إزاء الخدعة التى تعرضوا لها من جماعة الإخوان المسلمين ومن الرئيس نفسه، إذ اعتبروا أن ما جرى يمثل إهانة للتيار الذى تحالف معهم، وتراجعًا متعمدًا عن الوعود التى قطعوها لهم وأبلغوهم إياها، وهو أمر تسبب فى حالة سخط عارمة داخل القواعد السلفية، وأكد لهم أن الإخوان يريدون احتكار كل شىء وإقصاء الآخرين بعد أن يستنفدوا أغراضهم منهم.
لقد أكدت الأحداث أن جماعة الإخوان قد تعمدت هذا الموقف لعدة أسباب:
ـ الأول: أن هناك انتخابات لمجلس الشعب سوف يتم إجراؤها بعد الانتهاء من وضع الدستور الجديد، وقد تجرى على الأكثر فى القريب العاجل، ومن ثم لا مكان للتنسيق مع السلفيين أو غيرهم، وإنما هى معركة شرسة يريدون من خلالها ضمان تشكيل الحكومة المقبلة عبر امتلاكهم الأغلبية فى البرلمان.
ـ الثانى: أن تصريحات قد صدرت عن قياديين بجماعة الإخوان أكدت أن الحكومة الحالية مؤقتة وأن عمرها لن يزيد على أشهر معدودة، وأن الحكومة المقبلة ستكون حكومة إخوانية كاملة، وهو ما يعنى استبعاد الجميع وقطع الطريق على السلفيين وغيرهم؛ لعدم المطالبة بأى مقاعد أو كراسٍ وزارية.
ـ الثالث: أن الإخوان أرادوا من خلال هذا الموقف أن يردوا الصاع صاعين لحزب النور والسلفيين الذين لم يقفوا مع مرشح الإخوان فى الجولة الأولى، كما أن مواقفهم الخلافية مع الإخوان خلال الفترة الماضية لا يمكن أن يُكافَئوا عليها، بل العكس هو الصحيح، وهى رسالة تعنى أن الإخوان إذا تمكنوا فلن يتسامحوا؛ لأنهم يريدون الآخرين مجرد تابعين لهم، ليس أمامهم سوى السمع والطاعة..
وهكذا يمكن القول إن الإخوان قد خسروا آخر حلفائهم بفعل سعيهم الدءوب للاحتكار وإقصاء الآخرين؛ لأن الهدف هو «أخونة الدولة»، وهو أمر يملى عليهم استبعاد الآخرين، حتى يكونوا هم أصحاب الحل والعقد.
