بالشرقية .. تمثال غامض يخرج من باطن الزمن في تل فرعون
في محافظة الشرقية، حيث تمتد الأرض كذاكرة صامتة تحفظ ما لا يقال، لا تكون الاكتشافات الأثرية مجرد لحظات علمية عابرة، بل أشبه بعودةٍ مفاجئة لصوت قديم ظل حبيس الطين والزمان.
هناك، في تل فرعون، يبدو أن التاريخ لا يختفي تمامًا، بل يتوارى في طبقات الأرض منتظرًا لحظة انكشاف جديدة، كأن الزمن نفسه يعيد ترتيب علاماته على مهل، ويعيد للغائبين حضورهم في صورة حجرٍ منحوت أو ملامح ملك منسي.
وفي هذا السياق، يصبح التمثال المكتشف أكثر من قطعة أثرية؛ إنه سؤال مفتوح عن علاقة الإنسان بسلطته، وبذاكرته، وبقدرته على ترك أثر يتجاوز عمره، ليظل شاهدًا على زمنٍ لم ينتهِ تمامًا، بل يتجدد كلما نُبشت الأرض قليلًا.

اكتشاف أثري
بدأت القصة ضمن أعمال البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، حيث تم الكشف عن تمثال ضخم فاقد للجزء السفلي منه، يشمل الأرجل والقاعدة، وسط مؤشرات أولية ترجح أنه يمثل أحد ملوك الدولة الحديثة، وعلى رأسهم الملك رمسيس الثاني.
ويأتي هذا الاكتشاف ليضيف طبقة جديدة من الفهم حول طبيعة الوجود الملكي والديني في منطقة شرق الدلتا، التي لطالما شكلت نقطة تفاعل بين السلطة المركزية والمراكز الإقليمية في العصور الفرعونية.
ملامح ملكية غامضة
بحسب البيانات الأثرية الأولية، يتميز التمثال المكتشف بضخامة استثنائية، إذ يقدر وزنه ما بين 5 إلى 6 أطنان، بينما يبلغ طوله نحو 2.20 متر. وعلى الرغم من حالته الأثرية المتدهورة نسبيًا، فإن الأجزاء الباقية تكشف عن ملامح فنية دقيقة تعكس مستوى عالٍ من الحرفية في النحت الملكي القديم.
ويرجّح الخبراء أن التمثال كان جزءًا من مجموعة ثلاثية (Triad)، وهو نمط فني معروف في التماثيل الملكية والدينية التي عُثر عليها في عدد من المواقع الأثرية بمحافظة الشرقية.

قراءة تاريخية
من جانبه، أوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن هذا الكشف يمثل إضافة مهمة لفهم طبيعة النشاط الديني والملكي في المنطقة، مشيرًا إلى أن التمثال يعكس ظاهرة تاريخية بارزة في العصر المصري القديم، وهي إعادة نقل وإعادة توظيف التماثيل الملكية خلال عصر الدولة الحديثة.
وأكد أن مثل هذه الظواهر تعكس ارتباط المواقع الإقليمية بالمراكز الملكية الكبرى، وكيف كانت الرموز الملكية تُعاد صياغتها داخل سياقات دينية جديدة عبر الزمن.
رحلة عبر الزمن
وفي تفسير أكثر عمقًا للموقع، أوضح الأستاذ محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية، أن الدراسات الأولية تشير إلى أن التمثال قد نُقل في العصور القديمة من مدينة بر-رمسيس، عاصمة الدولة الحديثة، إلى موقع تل فرعون، المعروف قديمًا باسم “إيمت”، وذلك لإعادة توظيفه داخل أحد المجمعات الدينية.
هذا الانتقال لا يعكس فقط حركة مادية لتمثال، بل يكشف عن ديناميكيات دينية وسياسية معقدة، كانت تُعيد تشكيل الرموز الملكية بما يتناسب مع السياقات المحلية المتغيرة.

نقل وإجراءات حماية
وفي إطار الحفاظ على هذا الكشف الأثري المهم، تم نقل التمثال فور العثور عليه من داخل مجمع المعابد بالموقع إلى المخزن المتحفي بمنطقة صان الحجر، تمهيدًا لبدء أعمال الترميم الدقيقة والعاجلة، وفقًا لأعلى المعايير العلمية المتبعة في حفظ وصيانة الآثار.
وتعكس هذه الخطوة حرص الجهات المعنية على حماية القطع الأثرية النادرة من عوامل التلف، وضمان استقرارها قبل بدء مراحل الدراسة والترميم التفصيلي.
اكتشافات تعيد رسم خريطة التاريخ
ويأتي هذا الكشف استكمالًا لسلسلة من الاكتشافات المهمة التي شهدها الموقع نفسه خلال الفترة الماضية، من بينها العثور في سبتمبر الماضي على لوحة حجرية تمثل نسخة جديدة من مرسوم كانوب الشهير، الصادر عام 238 ق.م في عهد الملك بطليموس الثالث، والذي وثّق أحد أبرز الأحداث الدينية والسياسية في العصر البطلمي.

وقد تضمن المرسوم، الذي وُزع على المعابد الكبرى في مصر القديمة، قرارات تتعلق بتقديس الملك وزوجته برنيكي وابنته، ما يعكس أهمية كانوب كمركز ديني وسياسي في تلك المرحلة.
حين تتكلم الأرض
بين طبقات الطمي في تل فرعون، لا يبدو الأمر مجرد اكتشاف أثري جديد، بل هو استعادة لصوتٍ قديم ظل مدفونًا لقرون، يعود اليوم ليطرح أسئلة عن السلطة والدين والرمز، وعن كيف يمكن لتمثال صامت أن يعيد صياغة فهمنا للتاريخ من جديد، قطعةً بعد أخرى.



