رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

الحلقة 84.. مصطفى بكري يكتب: شهادتي وذكرياتي.. الأزمة المكتومة

مصطفى بكري
مصطفى بكري

فى منتصف يوليو 2012، كانت الأزمة المكتومة بين مؤسسة الرئاسة والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، قد بدأت تتصاعد، بين رئيس يسعي إلى الاستئثار بالسلطة التشريعية جنبًا إلى جنب مع سلطته التنفيذية، ومجلس أعلى للقوات المسلحة لا يزال متمسكًا بالسلطة التشريعية بوصفه الهيئة التأسيسية المعنية بهذا الأمر، خاصة بعد حل مجلس الشعب فى 14 يونية 2012.

 شهادتي وذكرياتي
الحلقة 84.. الأزمة المكتومة


كانت محكمة القضاء الإدارى قد أجّلت نظر طلب رد المحكمة التى تنظر بطلان الجمعية التأسيسية إلى 30 يوليو من العام ذاته، بعد أن تقدم عدد من المحامين الإخوان وبعض مؤيديهم بطلب الرد بهدف الحيلولة دون إصدار المحكمة حكمها فى القضية المنظورة أمامها ببطلان الجمعية التأسيسية للدستور.
لقد سعى رئيس الجمهورية إلى قطع الطريق على تفعيل حكم القضاء الإدارى حال صدوره، وذلك بإعادة مجلس الشعب (المنحل) إلى الحياة مجددًا، متحديًا بذلك حكم المحكمة الدستورية العليا، وهو ما تسبب فى ثورة قضائية وجماهيرية عارمة فى مواجهة الرئيس وجماعة الإخوان المسلمين التى ينتمى إليها، والتى قيل إنها كانت وراء هذا القرار بدعم أمريكى مكشوف عبرت عنه السفيرة الأمريكية فى مصر (آن باترسون) التى طالبت بضرورة عودة البرلمان، وكذلك التصريحات المؤيدة التى أطلقها ويليام بيرنز مساعد وزير الخارجية الأمريكية عقب لقائه بالرئيس محمد مرسى.
ورغم ردود الفعل وحدَّة الانتقادات، فإن الرئيس ظل مصرًا على قراره بعودة مجلس الشعب، حيث عقد المجلس فى اليوم التالى اجتماعًا اقتصر على خطاب تلاه د.سعد الكتاتنى رئيس المجلس (المنحل)، ثم جرى تعليق جلسات المجلس إلى وقت لاحق.
فى هذا الوقت لجأ عدد من المحامين والسياسيين إلى رفع استشكال منازعة فى التنفيذ أمام المحكمة الدستورية العليا التى أصدرت حكمها فى اليوم التالى باستمرار تنفيذ حكمها الصادر فى 14 يونية الذى قضى بحل مجلس الشعب.
وتزامن مع هذا صدور بيان عن رئاسة الجمهورية أكد التزام الرئيس بتنفيذ حكم المحكمة الدستورية بوقف تنفيذ القرار الجمهورى رقم 11 لسنة 2012 الخاص بسحب قرار حل مجلس الشعب وعودته لأداء عمله وإجراء انتخابات مبكرة خلال 60 يومًا من وضع الدستور الجديد وقانون انتخاب مجلس الشعب.
وقد أشار البيان إلى «أن الرئيس مرسى أكد احترامه البالغ للدستور والقانون، وتقديره للسلطة القضائية ولقضاة مصر الشرفاء، والالتزام بالأحكام التى تصدر من القضاء المصري، والحرص البالغ على إدارة العلاقة بين سلطات الدولة ومنع أى صدام بينهما».
وفى ضوء ذلك صدر العديد من المواقف التى ترحب باحترام الرئيس حكم المحكمة الدستورية، وتأكد الكافة من أن الرئيس قرر إغلاق هذه الصفحة، والتسليم بالحكم النهائى الصادر عن المحكمة الدستورية.
كان هذا هو الاعتقاد السائد لدى الجميع، إلا أن المستشار محمد فؤاد جاد الله (المستشار القانونى لرئيس الجمهورية) فاجأ الجميع بتصريح تليفزيونى أكد فيه «أن قرار رئيس الجمهورية بعودة مجلس الشعب وإلغاء قرار المشير مازال ساريًا».. وأوضح أن الرئيس نفذ حكم الدستورية بحل المجلس وفى الوقت نفسه عالج الفراغ التشريعى بإعلانه إجراء انتخابات مبكرة عقب الانتهاء من وضع الدستور.. وفاجأ الجميع بالقول: «إن بيان الرئاسة الذى أكد احترام حكم المحكمة الدستورية بوقف قرار الرئيس بعودة البرلمان لا يعتبر تراجعًا، بل إنه تأكيد لقرار الرئيس مع احترام حكم المحكمة، وإنه يجرى البحث عن التنفيذ الأمثل لقرار المحكمة الدستورية ببطلان بعض البنود الخاصة بقانون الانتخاب وليس القانون الكامل»!!
لقد أثار هذا التصريح حالة عارمة من الرفض والاستياء، إلا أن الرأى العام توقف كثيرًا أمام ما أكده مستشار الرئيس بالحديث عن قرب صدور قرار من الرئيس يقضى بإلغاء الإعلان الدستورى المكمل وقوله »إن سلطات الرئيس لا تقتصر على تعديل هذا الإعلان فحسب، بل يستطيع إلغاءه؛ لأن الشعب لم يُستفتَ عليه أيضًا«!!
وحين سأل مندوب صحيفة »الشروق« المستقلة اللواء ممدوح شاهين (عضو المجلس العسكرى للشئون القانونية والدستورية، ممثل المجلس فى الجمعية التأسيسية) حول هذا التصريح أكد بما لا يدع مجالاً للجدل أو النقاش «أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة هو صاحب الحق الوحيد فى تشكيل الجمعية التأسيسية حال صدور حكم من القضاء الإدارى ببطلان هذه الجمعية؛ استنادًا إلى الإعلان الدستورى المكمل»!!
وقال اللواء شاهين حرفيًا: «إنه فى حال صدور حكم من القضاء الإدارى ببطلان التأسيسية الثلاثاء المقبل فإن المجلس العسكرى سيتحرك على الفور لتشكيل جمعية تأسيسية جديدة دون انتظار لما ستسفر عنه إجراءات الطعن على الحكم، طبقًا لما خوله له الإعلان الدستورى المكمل....»!!
وأضاف اللواء ممدوح شاهين: «إن الإعلان المكمل أعطى للمجلس العسكرى صلاحيات وضع تشكيل جديد للجمعية التأسيسية إذا ما واجه التشكيل الحالى أى معوقات».
إلا أن هذا التصريح أثار حفيظة الكثيرين من قادة جماعة الإخوان المسلمين الذين راحوا يهددون ويتوعدون، كما دشنوا حملة شرسة فى مواجهة محكمة القضاء الإدارى التى وافقت على عدة طلبات مقدمة بتقصير جلسة المحكمة لنظر القضية المحدد لها 4 سبتمبر المقبل وضمها إلى جلسة 17 يوليو.
وصدرت تحذيرات أخرى موجهة للمجلس العسكرى تحوى لغة تهديدية لا تخلو من دلالة فى حال إقدامه على تنفيذ أى حكم قضائى يقضى ببطلان تشكيل الجمعية التأسيسية وتشكيل جمعية جديدة بديلة، بالرغم من أن اللواء شاهين أكد ان المجلس العسكرى سوف يستند فى أى من قراراته إلى الإعلان المكمل، وفى المقدمة منه المادة 60 مكرر.
لقد نصَّت المادة (60 مكرر) من الإعلان الدستورى المكمل على أنه »إذا قام مانع يحول دون استكمال الجمعية التأسيسية عملها، يقوم المجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال أسبوع بتشكيل جمعية تأسيسية جديدة تمثل أطياف المجتمع، لإعداد مشروع الدستور الجديد خلال ثلاثة أشهر من تاريخ الانتهاء من إعداده، ويتم الاستفتاء عليه خلال 15 يومًا من تاريخ الانتهاء من إعداده، وتبدأ إجراءات الانتخابات التشريعية خلال شهر من تاريخ إعلان موافقة الشعب على الدستور الجديد«.
كان طبيعيًا والحال كذلك أن يتدارس الرئيس الموقف مع عدد من كبار شيوخ القضاء للوصول إلى حل فيما يتعلق بقرار عودة مجلس الشعب أو إصدار إعلان دستورى مكمل يحول دون إصدار المجلس العسكرى تشكيلا جديدًا للجمعية التأسيسية حال صدور حكم القضاء الإدارى بالبطلان، إلا أنه لم ينجح فى إقناعهم بذلك، بل وجد معارضة شديدة، مستندة إلى الأحكام وقواعد الدستور والقانون.
حاول الرئيس آنئذ أن يبحث عن حل وسط، إلا أنه وأمام الضغوط الصادرة من جماعة الإخوان المسلمين ومحاولة التحريض السافرة من الإدارة الأمريكية لم يجد أمامه من خيار سوى ترجيح الرضوخ لمطلب مكتب الإرشاد بضرورة إلغاء الإعلان الدستورى المكمل وإصدار إعلان بديل؛ لقطع الطريق على المجلس العسكري، غير أن الرئيس أعد العدة وانتظر اللحظة المناسبة.
فى هذا الوقت كانت محكمة النقض قد أصدرت حكمًا مهمًا أعلنت فيه رفضها الطلب الذى تقدم به د.سعد الكتاتنى رئيس مجلس الشعب (المنحل) والخاص بنظر صحة العضوية.
وبدلا من أن يرتدع المدافعون عن عودة مجلس الشعب وتحدى حكم الدستورية، راحوا يقولون: «إنه وبعد صدور حكم محكمة النقض تكون القضية قد عادت إلى البرلمان مرة أخرى، وهو صاحب القرار النهائى فيها».
وهكذا سادت محاولات التسويف والادعاءات الكاذبة على حساب الحقائق الدامغة، بينما راح عدد من أساتذة القانون الدستورى يروِّجون لهذه الرؤية غير عابئين بالأحكام القضائية الباتة والنهائية.
فى مساء اليوم ذاته السبت اجتمع مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين، وكان الهدف المعلن هو بحث اعتماد إعلان دستورى جديد بديل للإعلان الدستورى المكمل وعرضه على الرئيس محمد مرسى لاتخاذ القرار الحاسم عقب عودته من المشاركة فى القمة الإفريقية بأديس أبابا.
لقد قررت الجماعة أن تخوض المعركة حتى آخر مدى وأن تحول دون أن يفعّل المجلس العسكرى صلاحياته بتشكيل جمعية تأسيسية جديدة حال صدور حكم من محكمة القضاء الإداري، وقد قررت جماعة الإخوان التحرك فى هذا الاتجاه عبر العديد من الأساليب والطرق، كان أبرزها:
- تشكيل لجنة من الجماعة وبمشاركة عدد من الفقهاء الدستوريين لإعداد مسودة إلغاء الإعلان الدستورى المكمل واستبدال إعلان آخر به يُصدره الرئيس قبيل صدور الحكم المتوقع من القضاء الإدارى الثلاثاء المقبل.
- التمسك بعودة مجلس الشعب لممارسة مهامه وسلطاته لحين إجراء انتخابات برلمانية جديدة، واستمرار المعركة مع المحكمة الدستورية العليا ونادى القضاة.
- الدعوة إلى حشد جماهيرى واسع فى القاهرة والمحافظات لمواجهة الأحكام المتوقعة، مع تكثيف الحشد أمام مجلس الدولة صبيحة نظر قضية بطلان التأسيسية يوم الثلاثاء 17 يوليو.
- بحث إجراء استفتاء عاجل على قرار الرئيس بعودة البرلمان لممارسة مهامه واختصاصاته، وغض البصر عن جميع الدعاوى التى تحذر من عدم دستورية الاستفتاء على حكم الدستورية العليا.
- السعى إلى استقطاب العديد من الأحزاب والقوى السياسية لصالح هذا المشروع، ودفعها إلى التمسك بالجمعية التأسيسية الحالية، واعتبار الحكم المتوقع صدوره من محكمة القضاء الإدارى حكمًا أوليًا قابلا للطعن!!
وفى ضوء ذلك بات من المتوقع حدوث تصعيد بين الجانبين العسكرى والرئاسى، وهنا وجد المجلس الأعلى نفسه أمام خيار من اثنين:
ـ إما أن يتمسك بالإعلان الدستورى المكمل ويبدأ فى تشكيل الجمعية التأسيسية حال صدور حكم بذلك، مستندًا فى ذلك إلى وضع دستورى وقانونى آل إليه عقب حكم المحكمة الدستورية ببطلان مجلس الشعب وحله، وهو بذلك لا يستطيع التفريط فى هذه المسئولية أيًا ما كان الأمر!!
- وإما أن يتراجع وينكسر ويقف صامتًا أمام خطة إلغاء الإعلان الدستورى المكمل بقرار من رئيس الجمهورية الذى لا يحق له ذلك، فيحدث الانهيار الكبير، وهو ما يمكن أن يؤدى إلى عزل المجلس العسكرى بمجمله، ووضع السلطة التشريعية كاملة فى يد الرئيس، الذى سيجمع بذلك بين السلطة التنفيذية والتشريعية، حتى وإن كان ذلك غير جائز من الناحيتين القانونية والدستورية.
كان الاعتقاد السائد أنه فى الحالة الأولي، أى إذا ما تمسك المجلس العسكرى مسئولياته الدستورية، فسوف يحافظ على أمن البلاد واستقرارها القانونى والدستورى، ولا يسمح لسلطة بالتغول على سلطة أخري، ومن ثم يبعث الأمل فى النفوس بعد سلسلة مواقف يعتبرها الكثيرون بمثابة إخفاقات واستجابة لعمليات الابتزاز السياسي، ومن بينها الاستجابة للتعديلات التى أُجريت على قانون الانتخابات والذى ثبت عدم دستوريته!!
وفى هذه المرة ربما وجد المجلس الأعلى نفسه وجهًا لوجه فى مواجهة الرئيس، وهو أمر حاول أن يتحاشاه كثيرًا، غير أن هناك إصرارًا من قِبل بعض مَنْ يديرون الأمور من خلف ستار على دفع الأمور نحو الصدام، واستخدام سياسة ليّ الذراع وفرض الأمر الواقع وتركيع المجلس العسكرى وإهانته وإذلاله أمام الجميع، وهو أمر لن يقبل به الجيش المصري.
لقد بدا أن الكثيرين داخل المجلس العسكرى لم يعد بمقدورهم القبول بهذه السياسة التى كانت سببًا فى تردى الأوضاع الأمنية والسياسية، واستمرار سياسة الابتزاز بغرض تحقيق مكاسب سياسية لحساب تيار بعينه على حساب المصلحة الوطنية للبلاد، ومن هنا كان الاعتقاد السائد أنه لن يكون أمام المجلس فى هذه المرة إلا التمسك بالشرعية والدستور والقانون مهما كان الثمن فى المقابل، وهو ما يرجح حدوث تصعيد سياسي، ثم سرعان ما تهدأ الأحوال.
فى حين أن الاعتقاد الثانى كان يتبلور فى أنه فى حال تراجع المجلس العسكرى عن التمسك بحقوقه والخضوع لعملية الابتزاز المدعومة أمريكيًا، فهنا يمكن أن تنفجر الأوضاع فى وجه المجلس العسكرى والرئيس على السواء، وساعتها سوف يتأكد للجميع صدق ما قيل عن وجود صفقات بين المجلس العسكرى والإخوان، حتى وإن لم توجد من الأساس.
كانت الضغوط تتزايد، وكانت واشنطن حاضرة فى المشهد السياسى بأبعاده المختلفة، فقد صدر العديد من التصريحات الأمريكية التى طالبت الجيش المصرى بتسليم السلطة مكتملة الصلاحيات غير منقوصة إلى الرئيس المنتخب، وكانت هذه التصريحات تثير استفزازًا كبيرًا لدى المشير ولدى قادة الجيش، ليس فقط لأنها تنحاز لطرف ضد الآخر، وإنما لأنها أيضًا تمثل تدخلا سافرًا فى شئون البلاد.
كان الكثيرون يعرفون حقائق العلاقة بين الولايات المتحدة وجماعة الإخوان، وأنها ليست وليدة التو أو اللحظة، لكنها تعود بجذورها إلى حوارات ولقاءات سابقة، لعب فيها الساسة الأمريكيون دورًا محوريًا، وكذلك الحال أعضاء الكونجرس الأمريكى من الحزبين الجمهورى والديمقراطي.
وكان المهندس خيرت الشاطر أحد أبرز دعاة توثيق العلاقة بين جماعة الإخوان والإدارة الأمريكية؛ حيث إنه التقى خلال عامي 2011، 2012 العديد من كبار المسئولين الأمريكيين، وكان محورًا للتفاوض معهم حول مدى التزام الجماعة بالمطالب الأمريكية المتعلقة بالموقف من اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، والمصالح الأمريكية والصراعات الإقليمية.
لقد وصلت العلاقة بين الطرفين إلى حد التحالف الاستراتيجى، وهو ما عبّر عنه المهندس خيرت الشاطر بوضوح فى حديث أدلى به لصحيفة »وول ستريت جورنال« الأمريكية عندما قال: «نسعى إلى تحالف استراتيجى مع الولايات المتحدة».
كانت التقارير التى ترسلها السفيرة الأمريكية فى القاهرة »آن باترسون« إلى وزارة الخارجية الأمريكية تكشف عن انحياز واضح لجماعة الإخوان، إنه انحياز مرتبط بالخطة الأمريكية للمساعدة على وصول الإسلاميين للحكم فى دول العالم العربي، ومن هنا كان يمكن فهم أبعاد الضغوط الأمريكية التى تمارسها على المجلس العسكرى لتسليم السلطة كاملة إلى الرئيس المنتخب وإبعاد الجيش عن السياسة والعودة إلى الثكنات.

تم نسخ الرابط