شحاتة زكريا يكتب: الوعي في مواجهة الترند… من ينتصر في معركة العقول؟
لم يعد السؤال الأهم في زمننا: ماذا يحدث؟
بل: كيف يُقدم ما يحدث… ولمن… وبأي زاوية؟
في لحظة ما انقلبت الموازين. لم تعد الحقيقة هي ما يُشكل وعي الناس بل الطريقة التي تعرض بها. صار الترند هو بوابة العبور إلى العقول لا بوصفه انعكاسا للواقع بل كمنتج مُصاغ بعناية يُدفع به إلى الواجهة حتى يبدو وكأنه الحقيقة ذاتها.
نحن لا نعيش فقط في عصر المعلومات… بل في عصر إدارة الانتباه حيث لا يفوز الأصدق بل الأقدر على لفت النظر. ولا ينتصر الأعمق بل الأسرع انتشارا.. الترند في جوهره ليس بريئا كما يبدو. هو نتيجة تفاعل معقّد بين خوارزميات تفضل ما يثير وجمهور يبحث عما يختصر عليه عناء التفكير ومنصات تُدرك أن بقاء المستخدم مرهون بإبقائه في دائرة الإثارة لا الفهم. وهنا تتحول القضايا الكبرى إلى لقطات قصيرة والملفات المعقدة إلى عناوين مبتورة والحقائق إلى وجهات نظر متصارعة.. في هذا المناخ يتراجع الوعي خطوة… لا لأنه ضعيف بل لأنه يحتاج وقتا والترند لا يمنح وقتا .. الوعي يسأل يُحلل يُقارن ويشكك… بينما الترند يُملي يُسرع ويُغلق باب التساؤل...المشكلة ليست في وجود الترند بل في تحوله إلى مرجعية.. حين يصبح ما يتداوله الناس هو ما يحدد ما يستحق الاهتمام لا ما يستحق الفهم. حين يُقاس صدق الفكرة بعدد المشاركات لا بعمقها. هنا ندخل منطقة خطرة… حيث يُعاد تشكيل الإدراك الجمعي وفق معايير اللحظة لا وفق معايير الحقيقة.
ولعل أخطر ما في هذه المعادلة أن الترند لا يكتفي بتوجيه الانتباه… بل يُعيد صياغة الأولويات.. قضية مصيرية قد تمر في صمت لأنها لا تجيد الانتشار بينما حدث عابر قد يحتل الواجهة لأنه أكثر إثارة. فيختل الميزان ويضيع الفارق بين المهم والعاجل بين الحقيقي والمُصنع.
لكن هل يعني ذلك أن الوعي خاسر لا محالة؟
الإجابة ليست بهذه البساطة.
الوعي بطبيعته لا يعمل بمنطق السرعة بل بمنطق التراكم. قد لا يتصدر المشهد لكنه يبقى. قد لا يجذب الانتباه فورا لكنه يترك أثرا ممتدا. هو أشبه بجذور عميقة لا تُرى بسهولة لكنها تمنح الشجرة ثباتها في وجه العواصف.. المعركة إذن ليست بين طرفين متكافئين… بل بين زمنين مختلفين.. زمن اللحظة الذي يمثله الترند وزمن الفكرة الذي يمثله الوعي.
في زمن اللحظة كل شيء قابل للاستهلاك السريع… حتى الحقيقة.. وفي زمن الفكرة كل شيء يحتاج إلى صبر… حتى يتشكل.. وهنا يبرز دور الفرد… لا كمُتلق فقط بل كطرف فاعل في المعادلة.
هل نستهلك ما يُقدَّم لنا كما هو؟ أم نُعيد طرح الأسئلة؟
هل ننجرف خلف ما يتصدر؟ أم نبحث عما يستحق أن يُفهم؟
الوعي ليس ترفا… بل ضرورة بقاء. لأن من لا يملك وعيه،
يعاد تشكيله وفق ما يُراد له أن يكون.. ربما لن يتوقف الترند وربما سيزداد تأثيره مع تطور التكنولوجيا لكن الرهان الحقيقي ليس على إلغائه… بل على خلق توازن.
أن يبقى للوعي مساحته وللعقل دوره وللتفكير قيمته.
المؤسف أن بعض المعارك تحسم قبل أن تبدأ… لا لأن طرفا أقوى بل لأن الطرف الآخر لم يدرك أنه في معركة من الأساس.. وهنا تكمن المفارقة: أخطر ما في الترند أنه لا يبدو خطرا.. في النهاية لا ينتصر الترند ولا الوعي بشكل مطلق بل ينتصر ما نمنحه نحن فرصة الانتصار.. فالعقول لا تهزم بالقوة بل بالتكرار ولا تستعاد بالصراخ بل بالفهم.
وبين ضجيج يُغري وهدوء يفكر… يبقى السؤال مفتوحا:
هل نريد أن نعرف… أم فقط أن نتابع؟