شحاتة زكريا يكتب: قانون الأحوال الشخصية.. معركة التوازن لا صراع الحقوق
في لحظات فارقة من عمر المجتمعات لا تكون القوانين مجرد نصوص تُكتب بل تصبح مرآة تعكس فلسفة الدولة تجاه الإنسان ورؤيتها لما يجب أن يكون عليه توازن العلاقات داخل المجتمع.
ومن بين أكثر هذه القوانين حساسية وتأثيرا يبرز قانون الأحوال الشخصية ليس بوصفه تشريعا ينظم العلاقة بين طرفين بل باعتباره الإطار الذي تتشكل داخله ملامح الأسرة… ومن ثم ملامح المجتمع كله.
حين يفتح هذا الملف لا يكون النقاش قانونيًا فقط بل إنسانيا بامتياز. لأن ما يُناقش هنا ليس مجرد بنود تتعلق بالنفقة أو الحضانة أو الرؤية بل هو في جوهره سؤال أعمق: كيف نحقق العدالة داخل أكثر العلاقات تعقيدا… العلاقة الإنسانية؟ لقد أعاد الواقع طرح هذا السؤال بإلحاح خاصة مع التحولات الاجتماعية المتسارعة التي لم تعد تحتمل أن تدار بعقلية الماضي أو بأدواته.
فالعلاقات لم تعد كما كانت والضغوط التي تواجه الأسرة اليوم لم تعد بسيطة أو مباشرة بل أصبحت مركبة ومتشابكة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والنفسية والاجتماعية بشكل غير مسبوق.. ومن هنا فإن أي حديث عن تطوير قانون الأحوال الشخصية لا يمكن أن يُختزل في معادلة من يكسب ومن يخسر لأن هذه المعادلة في حد ذاتها تعكس خللا في الفهم. فالقانون العادل لا يصنع منتصرا ومهزوما بل يصنع توازنا يحفظ للجميع حقوقهم ويضع مصلحة الطفل في موقع القلب من كل اعتبار.
اللافت في الطرح الأخير الذي أُثير حول هذا القانون أنه حمل إدراكا متقدمًا لطبيعة الأزمة حين تم التأكيد على أن استقرار الأسرة ليس شأنا خاصا بل هو مسألة ترتبط بالأمن القومي.
هذه الرؤية تنقل النقاش من كونه جدلا مجتمعيا إلى كونه قضية دولة ما يفرض بالضرورة أن يكون التعامل معها أكثر عمقا واتزانا.. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في صياغة نصوص جديدة بل في القدرة على التقاط روح العدالة التي يجب أن تسري داخل هذه النصوص. فكم من قوانين بدت عادلة على الورق لكنها في التطبيق أفرزت مظالم جديدة لأنها لم تنطلق من فهم حقيقي لتعقيدات الواقع.. إن واحدة من أخطر الإشكاليات التي تواجه هذا الملف هي محاولة التعامل معه بمنطق التجزئة.
فالنفقة لا يمكن فصلها عن القدرة الاقتصادية والحضانة لا يمكن النظر إليها بعيدا عن البعد النفسي للطفل والرؤية لا يمكن اختزالها في ساعات محددة دون النظر إلى احتياجات التواصل الإنساني الحقيقي.. وهنا تبرز الحاجة إلى رؤية شاملة لا تُعالج النتائج فقط بل تذهب إلى الجذور. رؤية تعترف بأن الأزمة ليست في القانون وحده بل في البيئة التي يعمل داخلها. في ثقافة مجتمعية تحتاج إلى إعادة تشكيل وفي وعي يحتاج إلى تطوير وفي منظومة دعم يجب أن تمتد لتشمل الجوانب الاقتصادية والنفسية معا.. فإنشاء آليات لدعم الأسرة سواء ماديا أو اجتماعيا لا يقل أهمية عن صياغة القانون نفسه. لأن العدالة لا تتحقق فقط بالنصوص بل بالقدرة على تطبيقها في واقع قد لا يكون مهيأً لاستقبالها.
وفي هذا السياق يصبح من الضروري أن نطرح سؤالا ربما يكون أكثر أهمية من كل ما سبق: هل نريد قانونا يحل النزاعات… أم قانونا يمنعها من الأساس؟.
الإجابة على هذا السؤال هي التي تحدد شكل القانون بل وتحدد فلسفته بالكامل. فإذا كان الهدف هو إدارة الأزمات فسنظل ندور في دائرة مغلقة من التعديلات المستمرة. أما إذا كان الهدف هو الوقاية فسنكون أمام نقلة حقيقية تعيد تعريف العلاقة بين أطراف الأسرة على أسس أكثر توازنا وإنسانية.. إن الأسرة لا تحتاج فقط إلى قوانين تحكمها بل إلى مناخ يسمح لها بأن تتماسك. تحتاج إلى شعور بالأمان لا إلى صراع دائم حول الحقوق.
تحتاج إلى عدالة تُشعر كل طرف بأنه مُنصف لا إلى نصوص تُفسر بطرق متباينة تزيد من حدة الخلاف.. وفي النهاية قد يكون التحدي الأكبر ليس في كتابة قانون جديد بل في إعادة تعريف مفهوم العدالة نفسه داخل الأسرة. أن ندرك أن العدالة لا تعني المساواة الحسابية البحتة بل تعني الإنصاف الذي يراعي اختلاف الأدوار والظروف والاحتياجات.. قانون الأحوال الشخصية ليس مجرد تشريع… بل اختبار حقيقي لقدرتنا على بناء مجتمع أكثر توازنا. وإذا نجحنا في هذا الاختبار فإننا لا نكون قد أصلحنا قانونا فقط بل نكون قد وضعنا حجر أساس لمستقبل أكثر استقرارا وإنسانية.