بين الماء والطين.. قصة أثرية غامضة تكشفها رمال سيناء
في شمال سيناء، حيث تتقاطع الرمال مع الذاكرة وتتحول الأرض إلى كتابٍ مفتوح على طبقات من التاريخ، لا تبدو الآثار مجرد بقايا زمن مضى، بل أشكالًا صامتة لفكرة الحضارة وهي تحاول أن تظل حيّة رغم الغياب.
هنا، في هذا الامتداد الذي حمل عبر العصور صراعات الإنسان وعباداته وتجارته، لا يُكتشف الأثر بوصفه مادةً مدفونة فحسب، بل بوصفه سؤالًا عن معنى الاستمرار، كيف تبقى المدن بعد أن تختفي أسماؤها؟ وكيف تتحول الطقوس إلى حجارة، ثم تعود الحجارة لتروي الطقوس من جديد؟.

وزارة السياحة والآثار
ومن هذا المنظور، لا يأتي الكشف الأثري في بلوزيوم كتسجيل لحدث، بل كحوار متجدد بين الإنسان وزمنه، حيث تحاول وزارة السياحة والآثار أن تعيد وصل ما انقطع، وأن تجعل من الحفائر فعلًا معرفيًا يعيد بناء الذاكرة لا اكتشافها فقط.
بدات القصة في عمق الصحراء الشمالية الشرقية، في اكتشاف أثري يُعد من أبرز نتائج أعمال الحفائر خلال السنوات الأخيرة، ويعكس في الوقت ذاته توجه الدولة نحو تطوير وحماية وإحياء المواقع الأثرية غير المكتشفة بالكامل.
فبعد ستة أعوام من أعمال الحفائر المتواصلة، أعلنت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار عن الكشف عن بقايا مبنى ديني فريد من نوعه، مخصص لعبادة الإله المحلي للمدينة “بلوزيوس”، في اكتشاف يعيد رسم صورة المدينة القديمة ودورها كمركز ديني وثقافي مهم في العصور القديمة.

اهتمام رسمي
وفي تعليق رسمي، أعرب شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، عن سعادته بهذا الكشف، مؤكدًا أنه يعكس الأهمية الاستراتيجية والأثرية لمنطقة شمال سيناء، وما تحتويه من مواقع واعدة ما زالت تخبئ الكثير من الأسرار.
وأشار الوزير إلى أن الوزارة ماضية في دعم أعمال الحفائر والدراسات العلمية بالموقع، ضمن خطة شاملة تستهدف تعزيز البحث العلمي، وإعادة قراءة المواقع الأثرية المصرية بما يسهم في إثراء المعرفة الإنسانية، وتحويل هذه المناطق إلى نقاط جذب سياحي وثقافي مستقبلي.
ويأتي هذا التوجه في إطار استراتيجية وزارة السياحة والآثار الرامية إلى تطوير المواقع الأثرية وتهيئتها للعرض العلمي والسياحي، بما يحقق التوازن بين الحفاظ على التراث وإتاحة الوصول إليه، وتعظيم الاستفادة منه اقتصاديًا وثقافيًا.

بلوزيوم وجه المدينة المفقود
من جانبه، وصف الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الاكتشاف بأنه خطوة مهمة لفهم طبيعة مدينة بلوزيوم، ودورها المحوري في نقل وتبادل التأثيرات الدينية والثقافية عبر العالم القديم، موضحًا أن الموقع يمثل نموذجًا فريدًا للتفاعل الحضاري بين مصر والحضارات الهلنستية والرومانية.
وأكد أن بقايا المعبد المكتشف تكشف عن تصميم معماري غير تقليدي، يجمع بين العناصر المصرية القديمة والطرازين الهلنستي والروماني، في تجسيد واضح لحالة التداخل الثقافي التي ميزت المدينة عبر العصور.

طقوس دينية فريدة
وفي السياق نفسه، أوضح الأستاذ محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية، أن بقايا المبنى تتضمن حوضًا دائريًا ضخمًا بقطر يبلغ نحو 35 مترًا، كان متصلًا بفرع النيل البيلوزي، ويُرجح أنه كان يُملأ بمياه محمّلة بغرين النيل، في طقس رمزي يرتبط بالإله بلوزيوس، الذي يُشتق اسمه من الكلمة اليونانية “بلوز” بمعنى الطين.
ويحيط بالحوض نظام هندسي متكامل من القنوات لتصريف المياه، بينما تتوسطه قاعدة مربعة يُعتقد أنها كانت تحمل تمثالًا ضخمًا للمعبود، في مشهد يعكس طبيعة الطقوس الدينية المرتبطة بالمياه والخصوبة.
وتشير الدراسات إلى أن الموقع ظل مستخدمًا خلال فترة زمنية ممتدة من القرن الثاني قبل الميلاد وحتى القرن السادس الميلادي، مع إدخال تعديلات معمارية محدودة عبر العصور، بما يعكس استمرارية الوظيفة الدينية للمكان.

تحول في تفسير الموقع
وأوضح الدكتور هشام حسين، رئيس الإدارة المركزية لآثار الوجه البحري وسيناء والمشرف على البعثة، أن بداية الكشف تعود إلى عام 2019، حين تم العثور على جزء من منشأة دائرية لم تتجاوز 25% من هيكلها، ورُجح حينها أنها مبنى إداري أو مجلس مدينة.
لكن مع استمرار أعمال الحفائر خلال المواسم التالية، تكشفت الحقيقة تدريجيًا، ليتبين أن المبنى ذو طابع ديني مائي مقدس، وليس منشأة مدنية، حيث يتوسطه فناء دائري واسع، وتحيط به قنوات وخزانات للمياه، مع مداخل متعددة من الجهات الشرقية والجنوبية والغربية، فيما تعرضت الجهة الشمالية لتدمير كبير عبر الزمن.
وجاء هذا التحول في التفسير بعد سلسلة من الدراسات المقارنة مع نماذج معمارية من العصرين الهلنستي والروماني خارج مصر، بالإضافة إلى مناقشات علمية مع خبراء دوليين، من بينهم أستاذ الآثار الكلاسيكية بجامعة السوربون بباريس جون إيف كاريه ماراتراي، والتي أسهمت في إعادة فهم طبيعة المبنى.
خريطة أثرية تتسع وتتكشف
ويأتي هذا الكشف ليؤكد أن شمال سيناء لا تزال تحمل في طياتها العديد من المفاجآت الأثرية، وأنها تمثل منطقة ذات أهمية استثنائية على خريطة التراث المصري، بما تستدعيه من استمرار أعمال الحفر والدراسة والتطوير.

وتعمل وزارة السياحة والآثار، من خلال المجلس الأعلى للآثار، على تنفيذ خطة متكاملة تستهدف رفع كفاءة المواقع الأثرية في سيناء، وتوفير البنية التحتية اللازمة لاستقبال الزائرين مستقبلًا، إلى جانب دعم البعثات العلمية الدولية والمحلية، بما يسهم في تحويل هذه المواقع إلى نقاط جذب ثقافي وسياحي مستدام.
تحويل المواقع الأثرية لروافع للتنمية
ويعكس هذا الاكتشاف الجديد فلسفة الدولة في التعامل مع التراث الأثري، باعتباره موردًا ثقافيًا واقتصاديًا في آن واحد، وليس مجرد بقايا تاريخية، حيث تسعى الوزارة إلى دمج البحث العلمي بالتطوير السياحي، بما يضمن الحفاظ على الهوية الأثرية وتعظيم العائد منها.
وفي النهاية فبين الرمال الممتدة في تل الفرما، وبين طبقات التاريخ التي ما زالت تُفصح عن أسرارها، تواصل بلوزيوم القديمة كتابة فصل جديد من حكاية مصر مع حضارتها، في رحلة لا تزال بدايتها فقط قد كُتبت.



