ما الذي تخفيه بهبيت الحجارة؟ مشروع يفتح أبواب التاريخ من جديد
في قلب دلتا النيل، حيث لا تزال الأرض تحتفظ بذاكرة الحجر وصدى الطقوس القديمة، تقف بهبيت الحجارة كمساحة يتداخل فيها الزمن مع المعنى، ويتحوّل فيها الأثر إلى سؤال مفتوح عن كيف يمكن للحضارات أن تعود للحياة من جديد دون أن تفقد أصالتها.
هنا لا يتعلق الأمر بترميم معبد أو إعادة ترتيب كتل صخرية، بل بمحاولة لإعادة قراءة التاريخ بوصفه كيانًا حيًا، قادرًا على أن يتجدد عبر العلم والمعرفة والرؤية.
فالمواقع الأثرية ليست بقايا صامتة، بل نصوص مادية تنتظر من يعيد تفكيك رموزها وإعادة تقديمها للإنسان المعاصر بلغة يفهمها ويشعر بها.

بهبيت الحجارة
ومن هذا المنظور، تصبح بهبيت الحجارة أكثر من موقع أثري؛ إنها اختبار لفكرة الخلود الحضاري، وكيف يمكن للذاكرة أن تتحول إلى مشروع، وللحجر أن يصبح بوابة نحو المستقبل.
في إطار توجه الدولة المصرية نحو إعادة إحياء المواقع الأثرية غير المستغلة وتعظيم قيمتها السياحية، تبرز منطقة آثار بهبيت الحجارة بمركز سمنود بمحافظة الغربية كأحد أبرز المشروعات الواعدة التي تستعد لدخول مرحلة تطوير شاملة تستهدف تحويلها إلى مقصد ثقافي وسياحي متكامل يعكس عراقة الحضارة المصرية القديمة في الوجه البحري.

وخلال جولة ميدانية موسعة، تفقد الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الموقع الأثري، لمتابعة حالته الراهنة على أرض الواقع، والوقوف على التحديات التي تواجهه، وبحث آليات التطوير المقترحة بما يليق بقيمته التاريخية الفريدة، وذلك في إطار استراتيجية وزارة السياحة والآثار الرامية إلى تعزيز جاهزية المواقع الأثرية لاستقبال الزائرين.
إحياء معبد إيزيس
وتعد منطقة بهبيت الحجارة واحدة من أهم المواقع الأثرية في الدلتا، حيث تضم بقايا معبد مخصص لعبادة الإلهة إيزيس، تبلغ مساحته نحو 20 ألف متر مربع، ويعد من أبرز المعابد التي تعكس الطابع الديني والمعماري للعصور المتأخرة، خاصة في عهد الملك نختنبو الأول، مع وجود دلائل أثرية تشير إلى جذور أقدم للموقع.

وتحمل المنطقة تاريخًا لغويًا وحضاريًا عميقًا، إذ عُرفت قديمًا باسم “بر-كت” أي البيت العالي، و”بر-حبيت” أي بيت الأعياد، قبل أن يتحول الاسم عبر الزمن إلى “بهبيت الحجارة”، في إشارة إلى وفرة الكتل الحجرية المنتشرة بالموقع.
التوظيف العلمي للآثار
وخلال الجولة، جرى استعراض نتائج الدراسات العلمية الخاصة بالموقع، والتي تناولت إمكانية التعامل مع الكتل الحجرية الموجودة، سواء من حيث تحريكها أو إعادة توظيفها علميًا، ووضعها على مصاطب وفق أحدث الأساليب الأثرية، بما يضمن الحفاظ على سلامتها وإبراز قيمتها التاريخية.

كما تم بحث استخدام تقنيات حديثة في التصوير الرقمي، وتحليل التربة، ودراسة إمكانية تنفيذ حفائر مستقبلية، إلى جانب إعداد مشروع متكامل لتوثيق النقوش والكتل الأثرية وفق معايير علمية دقيقة، بما يسهم في إعادة بناء تصور شامل للمعبد في صورته الأصلية.
وتضمنت المقترحات المطروحة إعادة تركيب أجزاء المعبد بشكل علمي مدروس، يشمل تقدير أوزان الكتل الحجرية، ودراسة قدرة التربة على تحمل الأحمال، واستغلال المساحات المحيطة بالموقع، بما يتيح تقديم عرض متكامل يوضح التخطيط المعماري للمعبد من المدخل الغربي وحتى قدس الأقداس في الجهة الشرقية.
نقاشات علمية دولية
وشهدت الجولة حضور عدد من القيادات الأثرية وخبراء البعثات الأجنبية، حيث تمت مناقشة مجموعة من التصورات الخاصة بكيفية عرض الموقع بشكل علمي وحضاري، يوازن بين الحفاظ على الأثر وإتاحته للجمهور.
وشارك في النقاشات ممثلون عن معاهد وبعثات دولية من هولندا وفرنسا وإيطاليا وكوريا الجنوبية وبولندا، في خطوة تعكس البعد الدولي للمشروع، واهتمام المؤسسات العلمية العالمية بالمشاركة في تطوير الموقع وإعادة قراءته أثريًا.

وأكدت المناقشات أهمية وضع تصور شامل يجعل من بهبيت الحجارة نموذجًا متفردًا في عرض الآثار المصرية في الدلتا، عبر دمج البحث العلمي بالتوظيف السياحي الحديث.
السياحة الثقافية
فيما يمثل مشروع تطوير بهبيت الحجارة خطوة محورية ضمن خطة وزارة السياحة والآثار لتعظيم الاستفادة من المواقع الأثرية خارج نطاق المدن السياحية التقليدية، بما يسهم في جذب حركة السياحة الثقافية إلى محافظات الدلتا، وتخفيف الضغط عن المقاصد الأثرية الرئيسية.
ومن المتوقع أن يسهم المشروع، حال اكتماله، في خلق نقطة جذب سياحي جديدة تربط بين التاريخ المصري القديم والتجربة السياحية الحديثة، عبر تقديم موقع أثري مُعاد تقديمه وفق أحدث المعايير العالمية.

تجربة سياحية متكاملة
وتستهدف خطة التطوير المستقبلية تحويل المنطقة إلى تجربة زيارة متكاملة، تجمع بين العرض الأثري، والتفسير العلمي، والتقنيات الرقمية الحديثة، بما يتيح للزائر فهمًا أعمق لطبيعة المعبد ودوره الديني في الحضارة المصرية القديمة.
وفي النهاية وبينما تتواصل الدراسات والاجتماعات الفنية، يظل مشروع بهبيت الحجارة نموذجًا لمقاربة جديدة في إدارة التراث، تقوم على إعادة إحياء المواقع الأثرية بوصفها موارد ثقافية واقتصادية قادرة على دعم السياحة وتعزيز الاقتصاد الوطني.



