ياسمين عبده تكتب: كيف تدار عقولنا رقميا !
لم يعد استخدام الهاتف مجرد عادة يومية عادية، بل تحوّل إلى نمط حياة كامل يسيطر على جزء كبير من وعي الإنسان وسلوكه. ومع تزايد الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات الرقمية، بدأ يظهر سؤال مهم في علم النفس الحديث: هل نحن نستخدم هذه المنصات… أم أنها هي التي تستخدمنا؟.
ما يحدث اليوم لم يعد مجرد “إدمان موبايل”، بل ظاهرة نفسية أعمق ترتبط بما يُعرف بـ اقتصاد الانتباه، حيث تتنافس المنصات الرقمية على جذب انتباه المستخدم لأطول وقت ممكن، لأن هذا الانتباه أصبح هو القيمة الحقيقية التي تُبنى عليها الأرباح.
المنصات لا تقدم محتوى عشوائيًا، بل تعتمد على خوارزميات دقيقة تقوم بتحليل سلوك المستخدم، وتحديد ما يجذبه، ثم تقديم محتوى مصمم خصيصًا لإبقائه متصلًا بالشاشة.
وهكذا يتحول الاستخدام من اختيار حر… إلى تفاعل موجّه.
في هذا السياق، يشرح علماء النفس أن الدماغ يتعامل مع كل إشعار أو تفاعل رقمي باعتباره “مكافأة”، حيث يتم إفراز هرمون الدوبامين المسؤول عن الشعور بالمتعة. لكن المشكلة لا تكمن في هذه المتعة، بل في تكرارها بشكل متقطع وغير متوقع، وهو ما يجعل العقل يدخل في حالة ترقب دائم للمكافأة التالية.
ومع الوقت، يتحول هذا النمط إلى سلوك تلقائي.
فتح الهاتف دون هدف، التنقل السريع بين التطبيقات، وقضاء وقت أطول من المخطط له… كلها مؤشرات على أن الانتباه لم يعد تحت السيطرة الكاملة.
هذا التأثير لا يقتصر على الوقت فقط، بل يمتد إلى القدرات الذهنية.
تشير الدراسات النفسية إلى أن الاستخدام المفرط للتطبيقات الرقمية يؤدي إلى ضعف التركيز، وتراجع القدرة على التفكير العميق، وزيادة التشتت الذهني.
كما تظهر آثار نفسية أخرى، مثل القلق، وانخفاض الرضا عن الذات، نتيجة المقارنة المستمرة مع الآخرين، والتعرض المتكرر لمحتوى غير واقعي.
الأخطر من ذلك هو ما يمكن تسميته بـ “تشكيل الوعي”.
فالخوارزميات لا تعرض الحقيقة كما هي، بل تقدم نسخة مخصصة لكل مستخدم، بناءً على اهتماماته وسلوكه، مما قد يؤدي إلى رؤية محدودة أو مشوهة للواقع.
لكن رغم هذا التأثير، تظل استعادة السيطرة ممكنة.
البداية تكون بالوعي، أي إدراك أن الانتباه أصبح هدفًا يتم التنافس عليه، وليس مجرد أمر شخصي.
ثم يأتي دور التنظيم، من خلال تقليل الإشعارات، وتحديد أوقات واضحة لاستخدام الهاتف، وفصل فترات من اليوم بعيدًا عن أي تواصل رقمي.
كما أن إعادة تدريب العقل على التركيز أمر ضروري، من خلال القراءة الطويلة، والعمل المتواصل دون مقاطعة، والابتعاد المؤقت عن الشاشات.
في النهاية، المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في طبيعة العلاقة معها.
فالإنسان لم يُخلق ليعيش في حالة انتباه مشتت طوال الوقت.
ولهذا يبقى السؤال الأهم:
هل ما زلنا نملك انتباهنا… أم فقدناه دون أن نشعر؟