قصة «العزيمة» بالبحر الأحمر.. مشروع يكشف رحلة التحول من الألم للأمل
البحر الأحمر، حيث تمتد المساحات بين زرقة البحر وصمت الصحراء، تولد حكايات جديدة عن الإنسان حين يقرر أن ينتصر على ذاته قبل أي شيء آخر.
هنا، لا يُقاس التغيير بعدد المباني أو الأجهزة، بل بقدرة المجتمع على احتواء من تعثروا ومنحهم فرصة للعودة إلى الحياة بكرامة.
في هذا السياق، يبرز مركز «العزيمة» لعلاج وتأهيل مرضى الإدمان كفكرة تتجاوز حدود الطب التقليدي، ليصبح مساحة لإعادة تشكيل الإنسان، حيث يلتقي العلاج مع الأمل، والعلم مع الإرادة، ليؤكد أن التعافي ليس نهاية رحلة، بل بداية وعي جديد بالحياة.

بدأت القصة في خطوة تعكس التوجه الجاد نحو مواجهة واحدة من أخطر التحديات المجتمعية، حيث برز مركز العزيمة لعلاج وتأهيل مرضى الإدمان بمحافظة البحر الأحمر كنموذج متكامل يجمع بين العلاج الطبي والدعم النفسي وإعادة التأهيل المجتمعي، ليمنح المرضى فرصة حقيقية للعودة إلى الحياة من جديد.
جنوب الصعيد والبحر الأحمر
يمثل المركز نقلة نوعية في الخدمات العلاجية، إذ يُعد أول منشأة متخصصة تقدم خدمات علاج وتأهيل الإدمان لأبناء محافظات البحر الأحمر وقنا والأقصر، وهو ما ساهم في تقليل معاناة المرضى وأسرهم في البحث عن العلاج خارج نطاقهم الجغرافي.
ويقع المركز على مساحة 4000 متر مربع، بطاقة استيعابية تصل إلى 96 سريرًا للحجز الداخلي، بالإضافة إلى 3 عيادات خارجية، ويستهدف تقديم خدماته لنحو 17 ألف مريض سنويًا، ما بين مترددين على العيادات الخارجية ونزلاء الحجز الداخلي.

منظومة وطنية متكاملة
يأتي إنشاء المركز ضمن خطة الدولة لتوسيع شبكة علاج الإدمان، حيث يُعد واحدًا من ثلاثة مراكز جديدة تم افتتاحها برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي في محافظات البحر الأحمر وبورسعيد ومطروح، ليصل إجمالي عدد المراكز التابعة لصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي والجهات الشريكة مع الخط الساخن (16023) إلى 34 مركزًا في 19 محافظة على مستوى الجمهورية.
إعادة بناء الإنسان
لم يقتصر الاهتمام على الجانب الطبي فقط، بل تم تصميم المركز وفق أحدث المعايير الدولية في علاج وتأهيل مرضى الإدمان، حيث يضم مساحات خضراء مهيأة لخلق بيئة نفسية إيجابية، إلى جانب قاعات متخصصة للتأهيل النفسي والسلوكي، وفصول لمحو الأمية، بما يعزز من فرص إعادة دمج المرضى في المجتمع.

كما يحتوي المركز على صالة ألعاب رياضية متكاملة تشمل تنس الطاولة والبلياردو وصالات الجيم، إلى جانب قاعة موسيقى ومسرح ومكتبة ومطعم، في إطار توفير بيئة علاجية شاملة تعتمد على التوازن بين العلاج والترفيه.
العلاج بالعمل
يولي المركز اهتمامًا كبيرًا بمرحلة ما بعد العلاج، من خلال ورش التدريب المهني التي تستهدف تعليم المتعافين حرفًا يحتاجها سوق العمل، ضمن برنامج «العلاج بالعمل»، وهو ما يساعدهم على اكتساب مهارات حقيقية تضمن لهم مصدر دخل مستدام بعد التعافي.
وقد استفاد من هذه البرامج آلاف المترددين على المركز، حيث تم تقديم خدمات تعليم القراءة والكتابة، بالإضافة إلى التدريب على الحرف المختلفة، بما يسهم في تحقيق الاستقلال الاقتصادي للمتعافين.
برنامج تأهيلي متعدد الأبعاد
يعتمد البرنامج التأهيلي داخل مراكز العزيمة على منظومة متكاملة من البرامج العلاجية، تشمل التأهيل النفسي والدعم السلوكي، وكذا العلاج المعرفي السلوكي لتعديل الأفكار والسلوكيات، بالإضافة إلى برامج منع الانتكاسة، والتأهيل المهني من خلال “العلاج بالعمل”، وكذا التأهيل البدني عبر الأنشطة الرياضية، بالإضافة إلى أنشطة ترفيهية يومية لدعم الاستقرار النفسي.

ولا تتوقف جهود المركز عند التعافي، بل تمتد إلى مرحلة الدمج المجتمعي، من خلال توفير قروض ميسرة لتمويل مشروعات صغيرة للمتعافين، بالتعاون مع بنك ناصر الاجتماعي، ضمن مبادرة التمكين الاقتصادي، بما يضمن لهم بداية جديدة مستقرة.
نتائج وأثر واسع
خلال السنوات الخمس الماضية، نجح المركز في تقديم خدماته لنحو 17 ألف مستفيد من أبناء محافظة البحر الأحمر والمحافظات المجاورة، ما بين علاج وتأهيل وتدريب، وهو ما يعكس حجم التأثير الإيجابي للمركز في مواجهة الإدمان كقضية صحية واجتماعية.

نحو مستقبل خال من الإدمان
وفي النهاية يمثل مركز العزيمة نموذجًا متكاملًا لرؤية الدولة في التعامل مع الإدمان، ليس فقط كمرض يحتاج إلى علاج، بل كقضية إنسانية تتطلب إعادة تأهيل شاملة ودمجًا مجتمعيًا حقيقيًا، بما يعيد للمتعافين ثقتهم بأنفسهم، ويمنحهم فرصة لبداية جديدة قائمة على الأمل والعمل.



