شحاتة زكريا يكتب: حين تضغط الأزمات العالمية على الداخل.. كيف نحمي المواطن ونحافظ على التوازن؟
في عالم شديد الاضطراب لم تعد القرارات الاقتصادية المحلية مجرد قرارات داخلية بحتة بل أصبحت في كثير من الأحيان انعكاسا مباشرا لما يحدث خارج الحدود. فالعالم اليوم مترابط بصورة تجعل أي صراع أو توتر في نقطة بعيدة قادرا على أن يترك أثره سريعا على أسواق الطاقة والغذاء والنقل ومن ثم على حياة المواطنين في مختلف الدول وما نشهده في هذه المرحلة يمثل نموذجا واضحا لهذه الحقيقة. فالتوترات الدولية المتصاعدة والصراعات العسكرية التي تتشابك فيها القوى الكبرى والإقليمية لم تعد مجرد أخبار في نشرات السياسة بل تحولت إلى ضغوط اقتصادية محسوسة يشعر بها المواطن في تفاصيل حياته اليومية.
فالاقتصاد العالمي يعيش منذ سنوات سلسلة متصلة من الأزمات. بدأت بجائحة أربكت سلاسل الإمداد وأوقفت حركة الاقتصاد العالمي ثم جاءت الحرب في أوروبا لتفتح بابا واسعا لارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وبعدها تصاعدت أزمات أخرى في أكثر من منطقة ، حتى أصبح العالم وكأنه يتحرك من أزمة إلى أخرى دون أن يلتقط أنفاسه .. وفي مثل هذه الظروف تصبح الدول النامية أكثر عرضة لتلقي الصدمات لأنها تعتمد بدرجات متفاوتة على الأسواق العالمية في الطاقة والسلع الأساسية. ومصر بحكم موقعها ودورها الاقتصادي ليست بمنأى عن هذه التأثيرات خاصة عندما يتعلق الأمر بأسعار الطاقة التي تعد أحد أهم المحركات الرئيسية للتضخم في العالم فعندما ترتفع أسعار الوقود عالميا لا يتوقف الأمر عند تكلفة الطاقة فقط بل يمتد تأثيره إلى كل شيء تقريبا: النقل، والإنتاج، وسلاسل التوريد وحتى أسعار السلع الأساسية التي يعتمد عليها المواطن في حياته اليومية.
وهكذا تتحول زيادة في بند واحد إلى موجة تضخمية تطال قطاعات متعددة لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في مواجهة هذه الضغوط الاقتصادية بل في كيفية إدارتها بطريقة تحقق قدرا من التوازن بين ضرورات الاقتصاد وحماية المواطن من آثار الصدمات المتلاحقة. فالمواطن خاصة محدود الدخل هو الحلقة الأكثر تأثرا بتقلبات الأسعار وهو في الوقت نفسه الطرف الذي يتحمل النصيب الأكبر من تبعات الأزمات وقد أثبتت التجارب خلال السنوات الماضية أن المواطن المصري يمتلك قدرا كبيرا من الصبر والقدرة على التحمل. فقد مرّت البلاد بظروف اقتصادية صعبة وواجهت تحديات إقليمية ودولية معقدة، ومع ذلك ظل المجتمع قادرا على التماسك والاستمرار.
غير أن هذا الصبر رغم أهميته لا يمكن أن يكون الحل الوحيد. فإدارة الأزمات الاقتصادية تتطلب منظومة متكاملة من السياسات والإجراءات التي تعمل في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه. فمن ناحية يجب التعامل بواقعية مع المتغيرات العالمية التي تؤثر على الاقتصاد ومن ناحية أخرى يجب تعزيز آليات الحماية الاجتماعية التي تخفف من حدة هذه التأثيرات على الفئات الأكثر احتياجا. وهنا يظهر دور الدولة في تحقيق هذا التوازن الدقيق. فالدولة مطالبة بأن تدير الاقتصاد بحسابات دقيقة وأن تتخذ قراراتها وفق معطيات الواقع العالمي لكنها في الوقت نفسه مطالبة بالحفاظ على شبكة الأمان الاجتماعي التي تحمي المجتمع من آثار الصدمات المفاجئة كما أن عنصر الشفافية يصبح في مثل هذه الظروف عاملا أساسيا في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. فكلما كانت الصورة واضحة أمام المواطنين، وكلما أدركوا طبيعة التحديات التي تواجه الاقتصاد أصبح من الأسهل تقبل القرارات الصعبة وفهم دوافعهاوفي المقابل لا يمكن تجاهل دور الأسواق وآليات الرقابة في هذه المعادلة.
فالأزمات الاقتصادية غالبًا ما تفتح المجال أمام بعض الممارسات السلبية مثل الاحتكار أو المبالغة في رفع الأسعار لتحقيق مكاسب سريعة. وهنا يصبح تطبيق القانون والرقابة الفعالة ضرورة لحماية السوق من التشوهات التي قد تزيد من الأعباء على المواطنين.
فالاقتصاد الصحي لا يقوم فقط على القرارات الحكومية، بل يعتمد أيضا على انضباط السوق والتزام الفاعلين الاقتصاديين بقواعد العدالة والمنافسة. وعندما يشعر المواطن أن هناك رقابة حقيقية على الأسواق، وأن أي تجاوزات يتم التعامل معها بحزم فإن ذلك يعزز شعوره بالإنصاف ويخفف من حدة التوتر الاجتماعي الذي قد تخلقه الأزمات الاقتصادية ومن المهم أيضًا أن يتم النظر إلى الأجور والمعاشات باعتبارها جزءا أساسيا من منظومة مواجهة التضخم. فارتفاع الأسعار دون مراجعة مستويات الدخل يخلق فجوة معيشية تتسع مع الوقت وهو ما يتطلب سياسات مرنة قادرة على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية.
في النهاية.. يمكن القول إن التحديات الاقتصادية التي نعيشها اليوم ليست محلية فقط بل هي جزء من موجة اضطراب عالمي غير مسبوقة منذ عقود. لكن التاريخ يثبت أن الدول التي تنجح في عبور هذه اللحظات الصعبة هي تلك التي تدير أزماتها برؤية شاملة ، تجمع بين الواقعية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. فالأزمات قد تكون قاسية لكنها في الوقت نفسه اختبار لقدرة المجتمعات على التماسك وقدرة الدول على إدارة التوازن بين ضرورات الاقتصاد وحقوق المواطنين. وعندما يتحقق هذا التوازن تصبح مواجهة العواصف ممكنة، بل وقد تتحول المحن إلى فرص لبناء اقتصاد أكثر صلابة ومجتمع أكثر تماسكا.