رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

نجلاء نادر تكتب: العيد ليس يوما في التقويم.. بل شعورا في القلب

الدكتورة نجلاء نادر
الدكتورة نجلاء نادر

العيد ليس مجرد مناسبة دينية أو اجتماعية عابرة، بل تجربة إنسانية عميقة تمتزج فيها المشاعر بالذكريات والعلاقات الاجتماعية. كثيرون يلاحظون أن إحساسهم بالعيد يتغير مع مرور السنوات؛ فالطفل يعيش العيد ببراءة ودهشة خالصة، حيث تكون فرحته مرتبطة بالملابس الجديدة والعيدية واللعب مع الأصدقاء. لكن مع التقدم في العمر تزداد المسؤوليات والضغوط اليومية، فيتراجع ذلك الشعور البسيط بالدهشة. ومع ذلك تبقى ذكريات الطفولة هي العنصر الذي يمنح العيد مكانته الخاصة في الوجدان، فهي تختزن صور لمّة العائلة وضحكات الأقارب وروائح الأطعمة التي كانت تصنع أجواء دافئة يصعب نسيانها.

ورغم ضغوط الحياة الحديثة، يستطيع الشباب أن يخلقوا أجواء العيد بأنفسهم. فليس المطلوب مظاهر احتفال كبيرة، بل لحظات مشاركة حقيقية: فطور بسيط مع العائلة، زيارة قريبة، أو لقاء مع الأصدقاء. هذه اللحظات الصغيرة تصنع إحساس الانتماء وتعيد للعيد روحه. ومن هنا تظهر أهمية زيارة العائلة؛ فهي لا تحمل بعدًا اجتماعيًا فقط، بل لها تأثير نفسي واضح، إذ تمنح الفرد شعورًا بالأمان والانتماء وتخفف من الإحساس بالوحدة الذي قد يرافق الحياة السريعة.

العيد أيضًا فرصة ثمينة لتقوية العلاقات العائلية. ففي كثير من الأحيان تنشغل الحياة اليومية بالعمل والدراسة، فتتباعد اللقاءات بين الأقارب. لكن مناسبة العيد تفتح بابًا للقاء والتسامح وربما إصلاح علاقات قديمة. أحيانًا تكفي رسالة تهنئة أو زيارة قصيرة لتعيد الدفء لعلاقة انقطعت منذ فترة. وحتى في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، الذي جعل التهنئة أسهل وأسرع، تظل الزيارة المباشرة ذات أثر إنساني أعمق من أي رسالة إلكترونية.

وبالنسبة للبعض قد يكون السفر في العيد تجربة جميلة، خاصة إذا كان مع العائلة أو الأصدقاء، لأنه يصنع ذكريات جديدة. لكن يبقى التوازن مهمًا، فالشباب يحتاجون إلى توزيع وقتهم بين العائلة والأصدقاء، لأن كلا الطرفين يمثل جزءًا مهمًا من شبكة الدعم الاجتماعي التي تحيط بالإنسان.

ومن المظاهر الجميلة التي تضيف معنى أعمق للعيد المشاركة في الأعمال الخيرية. فمساعدة الآخرين أو إدخال الفرحة على قلوب المحتاجين تولد شعورًا عميقًا بالرضا الداخلي. في تلك اللحظات يدرك الإنسان أن العيد ليس مجرد احتفال شخصي، بل مساحة للمشاركة الإنسانية والتكافل الاجتماعي.

كما أن بعض الناس يشعرون في العيد بشيء من الحنين. هذا الشعور طبيعي، لأنه يرتبط بذكريات أشخاص كانوا جزءًا من تلك المناسبات وربما غابوا مع مرور الزمن. الحنين هنا ليس ضعفًا، بل دليل على عمق التجارب الإنسانية التي عاشها الإنسان في تلك اللحظات.

ومن الجميل أيضًا أن يصنع الشباب طقوسًا جديدة للعيد مع أصدقائهم، مثل فطور جماعي أو رحلة قصيرة أو تقليد سنوي بسيط يتكرر كل عام. فهذه الطقوس تتحول مع الوقت إلى ذكريات مشتركة تمنح العيد معنى خاصًا لكل مجموعة.

أما الحفاظ على تقاليد العيد فيبقى مسؤولية مشتركة بين الأجيال. عندما يرى الأطفال الكبار وهم يزورون الأقارب ويقدمون العيدية ويتبادلون التهاني، فإنهم يتعلمون هذه القيم تلقائيًا ويستمرون في نقلها إلى الأجيال القادمة. والأجمل أن مشاركة الأطفال فرحتهم البريئة تعيد للكبار جزءًا من إحساس العيد القديم، لأن الأطفال يعيشون اللحظة بعفوية وصدق.

ومن الناحية النفسية والبيولوجية أيضًا، فإن أجواء العيد تؤثر في الجسم إيجابيًا. فالتواصل الاجتماعي والضحك والاحتفال يساعد على إفراز مجموعة من هرمونات السعادة مثل الدوبامين المسؤول عن الشعور بالمكافأة والمتعة، والسيروتونين الذي يحسن المزاج ويمنح الإحساس بالرضا، والأوكسيتوسين الذي يعزز مشاعر الترابط العاطفي أثناء اللقاءات العائلية والعناق والمصافحة، إضافة إلى الإندورفين الذي يرتبط بالضحك والنشاط ويمنح شعورًا بالراحة. وفي المقابل ينخفض مستوى هرمون التوتر المعروف بالكورتيزول، مما يفسر شعور الكثيرين بالهدوء والراحة خلال هذه المناسبة.

وأخيرًا، قد يساعد التخطيط البسيط ليوم العيد على الاستمتاع به بشكل أفضل؛ مثل تحديد الزيارات أو الأنشطة مسبقًا حتى لا يضيع اليوم في الفوضى. لكن في النهاية تبقى روح العيد في البساطة والمشاركة. فالسعادة الحقيقية لا تأتي من المظاهر الكبيرة، بل من لحظة صادقة مع العائلة، أو ضحكة مع صديق، أو يد تمتد بالعطاء لمن يحتاج.

لهذا يمكن القول إن العيد ليس مجرد يوم في التقويم، بل تجربة إنسانية تجمع بين الذكريات والعلاقات والمشاعر. وكلما حرص الإنسان على مشاركة الآخرين فرحته، كلما عاد إليه إحساس العيد الذي ربما ظن يومًا أنه فقده.

تم نسخ الرابط