رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

شق الثعبان من العشوائية لمدينة عالمية للرخام.. ماذا دار بين وزير الصناعة والمستثمرين

تعبيرية
تعبيرية

في أطراف القاهرة، حيث تلتقي قسوة الصخر بجهد الإنسان، تقف منطقة شق الثعبان كحكايةٍ فلسفية عن علاقة البشر بالحجر.

هنا لا يُنظر إلى الرخام والجرانيت بوصفهما مجرد مواد للبناء، بل كقطعٍ من الزمن الجيولوجي تُعاد صياغتها بيد الإنسان لتصبح جزءًا من حضارته.

فكل لوح رخام خرج من هذه الأرض يحمل في داخله آلاف السنين من الصمت، قبل أن تأتي المناشير والآلات لتمنحه صوتًا جديدًا في عمارة المدن.

وفي ذلك الصدد وفي خطوة تعكس توجه الدولة نحو دعم الصناعة الوطنية وتذليل العقبات أمام المستثمرين، عقد المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، والدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، لقاءً موسعًا ومباشرًا مع مستثمري منطقة شق الثعبان الصناعية، إحدى أكبر مناطق تصنيع الرخام والجرانيت في الشرق الأوسط.

 استقرار الصناعة

اللقاء، الذي حضره سيد أباظة رئيس شعبة الرخام والجرانيت وعدد من قيادات وزارة الصناعة، جاء في إطار الاستماع المباشر لمطالب المستثمرين والوقوف على التحديات التي تواجههم، والعمل على إيجاد حلول عملية تدعم استقرار الصناعة وتعزز قدرتها التنافسية في الأسواق المحلية والعالمية.

وخلال الحوار المفتوح، أكد وزير الصناعة أن الدولة تولي اهتمامًا خاصًا بمنطقة شق الثعبان، باعتبارها واحدة من أهم القلاع الصناعية المصرية في مجال تصنيع وتصدير الرخام والجرانيت، مشددًا على ضرورة تضافر الجهود لوضع خطة استراتيجية متكاملة لتطوير المنطقة، بما يحقق نقلة نوعية في حجم الإنتاج والصادرات.

دعم الصناعة وزيادة الإنتاج

وأوضح الوزير أن جهود وزارة الصناعة تتركز حاليًا على مساندة المصنعين لزيادة طاقاتهم الإنتاجية، سواء لتلبية احتياجات السوق المحلي أو لتعزيز قدرة المنتجات المصرية على المنافسة في الأسواق العالمية.

وأشار إلى أن الوزارة تسعى كذلك إلى توفير بيئة عمل مستقرة للمستثمرين، وتجنب اتخاذ أي قرارات قد تؤثر سلبًا على المصانع أو تعرقل نشاط المستثمرين الجادين، مؤكدًا أن الهدف الأساسي هو استمرار دوران عجلة الإنتاج وتنمية مختلف المناطق الصناعية في مصر.

وفي استجابة مباشرة لمطالب المستثمرين، وجه وزير الصناعة ببدء إجراءات إنشاء مركز خدمات متكامل تابع لوزارة الصناعة داخل المنطقة، على غرار مركز الخدمات التابع لمحافظة القاهرة، بما يسهم في تسهيل الإجراءات الحكومية للمستثمرين وتقديم الخدمات في مكان واحد.

كما أعلن الوزير عن التوجه لإنشاء مدرسة للتدريب المهني والتلمذة الصناعية متخصصة في مجالات الرخام والجرانيت، بهدف إعداد عمالة فنية مدربة تلبي احتياجات المصانع وتسهم في رفع جودة الإنتاج.

مهلة لتقنين الأوضاع

وفي ملف تقنين أوضاع المصانع والورش داخل المنطقة، شدد وزير الصناعة على أهمية تحقيق العدالة بين المستثمرين، مؤكدًا أنه لا يمكن مساواة المستثمر الملتزم الذي قام بتقنين أوضاعه بمن لم يستكمل الإجراءات القانونية.

وأوضح الوزير أن الوزارة قررت منح مهلة زمنية محددة للمستثمرين غير المقننة أوضاعهم لسرعة توفيق أوضاعهم والانضمام إلى المنظومة الرسمية، بما يضمن الحفاظ على حقوق الدولة ورفع كفاءة المنطقة الصناعية.

كما دعا مستثمري شق الثعبان إلى الإسراع في تقديم طلبات التقنين والاستفادة من التيسيرات التي تقدمها الدولة في هذا الشأن.

تسهيلات حكومية للمستثمرين

من جانبه، أكد الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، أن الدولة قدمت العديد من التيسيرات للمستثمرين في منطقة شق الثعبان بهدف تشجيعهم على تقنين أوضاعهم والانضمام للاقتصاد الرسمي.

وأوضح المحافظ أن من أبرز هذه التيسيرات منح المستثمر الذي يسدد قيمة التقنين كاملة خصمًا بنسبة 25% من إجمالي المبلغ، مع إعفائه بالكامل من الغرامات السابقة.

كما يسري القرار ذاته على المستثمرين الذين تقدموا بطلبات تقنين وفق النظام القديم ولم يسددوا المبالغ المستحقة عليهم، وكذلك المستثمرين الذين تقدموا عبر المنظومة الإلكترونية الجديدة.

وأشار المحافظ إلى أن مركز الخدمات الذي تم افتتاحه في المنطقة ساهم في تسهيل الإجراءات بشكل كبير، حيث يتعامل المستثمر مع جهة واحدة فقط من خلال نظام الشباك الواحد، بما يحقق الكفاءة والشفافية ويضمن سرعة إنجاز المعاملات.

وأضاف أن المبالغ التي يتم تحصيلها من أعمال التقنين يتم توجيهها مباشرة إلى تطوير البنية التحتية للمنطقة، بما يشمل تحسين المرافق ورصف الطرق ورفع كفاءة الخدمات.

وكشف المحافظ أن تنفيذ وتطوير المرافق في شق الثعبان يتطلب استثمارات تقدر بنحو 1.4 مليار جنيه، في إطار خطة شاملة لتطوير البنية التحتية وتحسين بيئة العمل للمستثمرين.

تسليم عقود التقنين

وعلى هامش اللقاء، قام وزير الصناعة ومحافظ القاهرة بتسليم 44 عقد تقنين لعدد من المستثمرين في المنطقة بعد استكمال إجراءات تقنين أوضاعهم.

وتعد هذه الخطوة جزءًا من جهود الدولة لتحقيق الاستقرار القانوني للأنشطة الصناعية داخل المنطقة، بما يسمح للمستثمرين بالتوسع في أعمالهم وزيادة الإنتاج والصادرات.

مدينة عالمية للرخام

وتقع منطقة شق الثعبان في نطاق طرة المعادي شرق طريق الأوتوستراد في القاهرة، وتمتد بعمق يقارب خمسة كيلومترات حتى حدود محمية وادي دجلة.

وتضم المنطقة ثلاث مناطق رئيسية هي كوتسيكا وبدر الليثي وشق الثعبان، وتبلغ مساحتها نحو 1608 أفدنة بما يعادل نحو 6.5 ملايين متر مربع، بينما يصل طول واجهتها على طريق الأوتوستراد إلى نحو 1.8 كيلومتر.

وتضم المنطقة ما يقرب من 1858 مصنعًا وورشة تعمل في تصنيع وتصدير الرخام والجرانيت، ويعمل بها نحو 45 ألف عامل مباشر، إضافة إلى عشرات الآلاف من العمالة غير المباشرة المرتبطة بالصناعة.

ورغم ما عانته المنطقة لعقود من الإهمال وغياب التخطيط، استطاعت أن تحافظ على مكانتها كأحد أهم مراكز تصنيع الرخام في العالم، حيث يتم تصدير منتجاتها إلى 118 دولة.

رؤية الدولة لتطوير المنطقة

ومع إدراك الدولة لأهمية المنطقة الاقتصادية والصناعية، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي خطة شاملة لتطوير شق الثعبان وتحويلها إلى مدينة صناعية عالمية متخصصة في الرخام والجرانيت.

وتهدف هذه الخطة إلى نقل المنطقة من الاقتصاد العشوائي إلى الاقتصاد المنظم، من خلال تقنين أوضاع المصانع والورش، وتوفير التدريب والتأهيل للعمالة، إضافة إلى تطوير البنية التحتية والخدمات.

كما تسعى الدولة إلى تعظيم القيمة المضافة للرخام المصري، بدلًا من تصديره كمادة خام، وذلك عبر التوسع في التصنيع المحلي قبل التصدير.

استثمارات بمليارات الجنيهات

تقدر الاستثمارات والتكاليف المتوقعة لخطة تطوير منطقة شق الثعبان بنحو 3.6 مليارات جنيه، يتم تنفيذها على ثلاث مراحل.

وتشمل هذه الخطة تطوير المرافق العامة، وتحديث شبكات المياه والصرف والكهرباء، وإنشاء شبكات اتصالات وإنترنت حديثة، إضافة إلى تطوير الطرق الداخلية والخارجية التي تربط المنطقة بالطريق الدائري الإقليمي وطريق الأوتوستراد.

كما تتضمن الخطة تطوير المباني الخدمية، وإنشاء مناطق لوجستية ومراكز خدمات للمستثمرين.

صناعة الرخام والتكنولوجيا الحديثة

تعد منطقة شق الثعبان إحدى أهم قلاع تصنيع الرخام في الشرق الأوسط، حيث يتم نقل الكتل الصخرية الضخمة من المحاجر والجبال في مناطق أسوان والمنيا والعين السخنة والجلالة إلى المصانع داخل المنطقة.

وهناك تمر هذه الكتل بمراحل متعددة من التقطيع والتشكيل والمعالجة باستخدام أحدث التقنيات الصناعية، قبل أن تتحول إلى منتجات نهائية يتم تصديرها إلى مختلف الأسواق العالمية.

ورغم أن معظم مصانع المنطقة تأسست في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، فإنها نشأت بشكل عشوائي دون تخطيط أو مرافق أو تراخيص صناعية واضحة.

لكن مع بدء خطة التطوير الحالية، تسعى الدولة إلى إنهاء هذا الوضع وتحويل المنطقة إلى نموذج صناعي حديث.

شركات جديدة لتطوير المنطقة

وفي إطار هذه الجهود، وقعت محافظة القاهرة بروتوكولين مهمين لإنشاء شركتين مساهمتين لتطوير المنطقة.

يتضمن البروتوكول الأول التعاون مع جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة لإنشاء شركة مساهمة مصرية لإقامة مصنع لإعادة تدوير مخلفات الرخام باستخدام أحدث التقنيات الصناعية.

أما البروتوكول الثاني فقد تم توقيعه مع الهيئة العامة للتنمية الصناعية، ويهدف إلى إنشاء شركة لإدارة وتطوير المنطقة الصناعية بالكامل، بما يشمل المناطق اللوجستية والميناء الجاف ومنطقة المعارض والخدمات.

وتهدف هذه المشروعات إلى زيادة الإنتاج والاستثمارات، وتعظيم موارد الدولة، وخلق فرص عمل جديدة، إضافة إلى إزالة المعوقات التي تواجه المستثمرين.

مستقبل صناعي جديد

إلى جانب هذه المشروعات، تعمل أجهزة الدولة على إعداد دراسة تسويقية شاملة للمنطقة لجذب المزيد من الاستثمارات الصناعية، وتحديد نوعية المشروعات التي يمكن تنفيذها بما يحقق أعلى عائد اقتصادي.

كما تستكمل الجهات المختصة أعمال توصيل المرافق والبنية التحتية وتطوير شبكات الطرق، وإنشاء مدرسة ومعهد فني متخصص لتخريج عمالة مدربة.

ومع هذه الخطوات، تبدو منطقة شق الثعبان على أعتاب مرحلة جديدة، تتحول فيها من منطقة صناعية عشوائية نشأت قبل أكثر من ثلاثة عقود، إلى مدينة صناعية عالمية متخصصة في صناعة الرخام والجرانيت.

وهي خطوة لا تستهدف فقط تطوير الصناعة، بل تسعى أيضًا إلى تعزيز الاقتصاد الوطني وزيادة الصادرات وخلق فرص عمل جديدة، بما يسهم في دعم مسيرة التنمية الاقتصادية في مصر.
 

تم نسخ الرابط