من الرمال والتلال إلى مكتبات مزدانة بالأدب والتراث.. قصة حي الأزبكية
في قلب القاهرة، حيث تتشابك أزقة التاريخ مع نبض الحاضر، تظهر رؤية الدولة المصرية في تطوير المدن التاريخية كرحلة بين الماضي والمستقبل، ليست مجرد إعادة بناء أو تجميل للواجهة، بل إعادة صياغة للهوية المدنية والحضارية للمدينة.

تطوير القاهرة الخديوية
فالمدينة ليست مجرد حيز جغرافي، بل كائن حي يتنفس في معمارها وتراثها، ويعكس ثقافة شعوبها وطموحاتها، ومن هنا تأتي استراتيجيات الدولة في تطوير القاهرة الخديوية وحي الأزبكية لتؤكد أن التنمية الحقيقية تبدأ من احترام الماضي وفهمه، قبل أن نرسم ملامح المستقبل.

بدات القصة مع تشييد الحي على يد الأمير سيف الدين أزبك، أتابك الجيش المصري في عهد السلطان الظاهر تمربغا، والذي لعب دورًا محوريًا في قيادة الجيش المصري وتحقيق انتصارات على الأتراك في آسيا الصغرى، منها معركة أدنه الشهيرة.
وسرعان ما ارتبط اسم الحي باسم مؤسسه ليعرف لاحقًا بـ"الأزبكية"، وأصبح رمزًا للحضارة والنشاط العمراني في القاهرة المملوكية.
توسع الحي سريعًا ليصبح مقصداً لأعيان مصر وأمراءها، حيث شيّدوا سرايات فخمة وجناين مميزة، كما شهد الحي احتفالات عامة بمناسبة ملء البرك بالمياه، كانت تجمع بين الناس من عامة الشعب والنخبة في مشاهد مبهرة من التلاحم الاجتماعي والثقافي، حيث تُضاء المراكب بالقناديل وتنتشر الخيام حول البرك، في أجواء تشبه الاحتفالات الملكية.
ومع مرور القرون، تغير شكل الأزبكية وتوسع على أطرافها أحياء راقية مثل الحَي القبطي وحَي الأفرنج وحارة اليهود والموسكي، كما شهد الحي أحداثًا تاريخية بارزة، من الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت، إلى إقامة القصور العديدة التي استضافت الشخصيات السياسية والاجتماعية البارزة، مثل سراية محمد بك الألفي وقصر أحمد الشرابي وبيوت كبار العلماء والتجار.

تطوير مكتبات سور الأزبكية
في العقد الأخير، وبمواكبة خطة الدولة لإحياء وسط القاهرة وتطوير القاهرة الخديوية، شهد حي الأزبكية إحدى أهم خطوات التجديد الحضاري، بإعادة إنشاء مكتبات سور الأزبكية وتحويلها من سوق عشوائي للكتب القديمة إلى مجمع حضاري متكامل.
فقد تم نقل المكتبات القديمة إلى موقع جديد ضمن محيط حديقة الأزبكية، قرب السور الأصلي، مع مراعاة التصميم التراثي للمنطقة، وتزويدها بمنظومة حماية مدنية ووسائل إطفاء، لتصبح بيئة آمنة ومنظمة لهواة شراء الكتب القديمة والنادرة.

وضم المشروع 133 مكتبة صممت لتتناسب مع الطابع المعماري التاريخي للحي، وتم إطلاق أسماء كبار الأدباء والكتاب على ممرات المكتبات، تكريمًا لإسهاماتهم الثقافية، ليصبح السور الجديد ليس مجرد مركز تجاري، بل مقصدًا ثقافيًا يعكس الهوية الحضارية للقاهرة.
ويعتبر سور الأزبكية واحداً من أقدم أسواق الكتب في مصر والشرق الأوسط، حيث استقطب طوال العام القراء والباحثين عن المعرفة في شتى المجالات، من الأدب والفلسفة إلى الطبخ والفنون، سواء النسخ النادرة أو الكتب المتاحة بأسعار في متناول الجميع.

خطة إحياء القاهرة
جاء مشروع تطوير مكتبات الأزبكية ضمن خطة متكاملة لإحياء القاهرة الخديوية، تحت إشراف اللواء خالد فودة، مستشار رئيس الجمهورية للتنمية المحلية، ورئيس اللجنة القومية لحماية وتطوير القاهرة التراثية، والدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة.
بدأت القصة حينما ترأسا اجتماعات موسعة لمتابعة التنفيذ واستعراض الرؤية المستقبلية للمنطقة، بحضور المسؤولين والمتخصصين وأعضاء المجتمع المدني والأكاديمي.
وشملت خطة التطوير أربع مراحل رئيسية تغطي الميادين والشوارع التراثية.
على ان تكون المرحلة الأولى، ميدان التحرير؛ أما المرحلة الثانية، فتبدا من ميدان طلعت حرب حتى ميدان مصطفى كامل، بينما المرحلة الثالثة، تبدا قطاع ميدان الأوبرا الممتد حتى ميدان طلعت حرب.
وفي الاخير المرحلة الرابعة، والتي من المفترض ان تبدا من شارع قصر النيل بين ميداني مصطفى كامل والأوبرا وقطاع شارع 26 يوليو حتى ميدان الأوبرا، مع استكمال تطوير شارع طلعت حرب حتى 26 يوليو.
فيما كانت شملت الأعمال تطوير 526 عقاراً تراثياً ومعمارياً بالتنسيق مع الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، للحفاظ على الهوية البصرية والتاريخية للمنطقة.

تمويل ومشاركة مجتمعية
وكان تم تمويل المشروع عبر آلية المشاركة المجتمعية، حيث فتحت محافظة القاهرة حسابًا خاصًا لتلقي التبرعات من الجهات الكبرى وأصحاب المصالح، ووصلت قيمة التبرعات إلى 127 مليون جنيه، ما ساهم في دعم الأعمال وضمان استمراريتها، مع إشراك مالكي العقارات لضمان الالتزام بالهوية التراثية وتحقيق استدامة المشروع.
القاهرة الخديوية
وفي النهاية ومع اكتمال تطوير مكتبات سور الأزبكية، تحوّل الحي إلى نموذج حي لتكامل التراث مع التجربة المعمارية المعاصرة، ليصبح وسط القاهرة الخديوية مساحة تتفاعل مع السكان والزوار، تجمع بين الثقافة والمعمار والتاريخ، وتبرز الدور الحيوي لمشروعات الدولة في إعادة إحياء الهوية الحضارية للعاصمة.
لقد أثبت المشروع أن التطوير ليس مجرد تجميل للواجهة، بل إعادة صياغة للتجربة اليومية للمواطن والزائر، حيث أصبحت الأسواق والمكتبات التراثية نقاط التقاء بين الماضي والحاضر، بين المعرفة والتجديد، وبين التراث والإبداع، لتروي القاهرة قصة حضارتها المتجددة عبر الزمن.


