رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

شحاتة زكريا يكتب: حين تسقط الهدنة.. المنطقة تدخل زمن المواجهة المفتوحة

شحاتة زكريا
شحاتة زكريا

لم تعد المسألة تقديرات أو رسائل ردع متبادلة. ما كان يُدار في الظل خرج إلى العلن وما كان يحسب بالملليمتر أصبح يقاس بمدى الصواريخ. المنطقة التي عاشت طويلا على فكرة الاشتباك المحدود دخلت الآن طورا مختلفا طور المواجهة المباشرة التي يصعب احتواؤها بالبيانات الدبلوماسية أو الوساطات السريعة .. اندلاع الحرب بين إسرائيل وإيران بشكل مباشر أو عبر ساحات متداخلة  يعني أن قواعد الاشتباك القديمة سقطت. لم يعد الحديث عن ضربة استباقية هنا أو رد محسوب هناك. نحن أمام لحظة إعادة تعريف للردع ذاته. فالردع الذي كان يقوم على تجنب الحرب الشاملة تحول الآن إلى إدارة حرب قائمة بالفعل.

الفارق كبير.

في السابق كانت كل ضربة تحمل في طياتها رسالة سياسية أكثر من هدف عسكري. اليوم الرسالة أصبحت جزءا من المعركة لا بديلا عنها. حين تبدأ المواجهة رسميا تتغير الحسابات: الداخل يصبح عامل ضغط أساسي والاقتصاد يتحول إلى جبهة موازية والتحالفات تنتقل من الغرف المغلقة إلى المواقف العلنية .. الأخطر أن الحرب حين تبدأ لا تسير دائما وفق سيناريو مرسوم. كل طرف يدخلها بخطة لكن الميدان يعيد كتابة التفاصيل. وهنا يكمن القلق الحقيقي: هل تظل المواجهة ضمن نطاق جغرافي محدد؟ أم تتسع لتشمل ساحات أخرى كانت حتى الأمس مناطق توتر منخفض الحدة؟ التاريخ القريب يخبرنا أن الحروب في الشرق الأوسط نادرا ما تبقى محصورة. تشابك المصالح وتعدد اللاعبين ووجود أطراف غير مباشرة كلها عوامل تجعل أي مواجهة قابلة للتمدد. ضربة في مكان قد تستدعي ردا من مكان آخر. حسابات الردع قد تختلط بحسابات الهيبة. والقرار العسكري قد يتجاوز التقدير السياسي في لحظة غضب أو سوء فهم.

اقتصاديا نحن أمام موجة ارتدادية سريعة. أسواق الطاقة أول المتأثرين. أي تهديد للممرات البحرية أو منشآت النفط ينعكس فورا على الأسعار عالميا. المستثمر لا ينتظر اتضاح الصورة يكفيه احتمال الخطر ليعيد التموضع. العملات تهتز البورصات تتذبذب وحركة التجارة تدخل مرحلة حذر.
لكن الأخطر من الأثر الاقتصادي هو الأثر النفسي. الشعوب التي كانت تعيش على توتر مزمن دخلت الآن مرحلة القلق الحقيقي. الفرق بين احتمال الحرب ووقوع الحرب كبير في الوعي الجمعي. في الأولى هناك مساحة أمل في الثانية هناك استعداد لفاتورة مفتوحة.

سياسيا المشهد أكثر تعقيدا. القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة تجد نفسها أمام اختبار صعب: هل تتدخل بشكل مباشر لدعم حليفها؟ أم تحاول ضبط الإيقاع لمنع اتساع المواجهة؟ وفي المقابل كيف تدير القوى الدولية الأخرى حساباتها في ظل صراع قد يعيد رسم موازين النفوذ في المنطقة؟الحرب ليست فقط صداما عسكريا بل لحظة إعادة تموضع استراتيجي. التحالفات التي كانت مرنة قد تصبح أكثر صلابة. الخطوط الرمادية قد تتحول إلى اصطفافات واضحة. ومع كل يوم قتال تتغير معادلة القوة على الأرض وتتبدل أوراق التفاوض المستقبلية.
وسط هذه العاصفة تحاول دول محورية في الإقليم الحفاظ على توازنها إدراكا منها أن الانزلاق الكامل لن يكون في مصلحة أحد. لأن الحرب الشاملة في منطقة متخمة بالأزمات قد لا تبقي ولا تذر. لذلك حتى في ذروة المواجهة ستبقى هناك قنوات خلفية مفتوحة ومساع لاحتواء التمدد ومحاولات لرسم سقف للصراع.

السؤال الآن لم يعد: هل تبدأ الحرب؟
بل: كيف تنتهي؟

هل ستنتهي بوقف إطلاق نار سريع يعيد الأطراف إلى مربع الردع التقليدي؟ أم أننا أمام مرحلة طويلة من المواجهة المتقطعة عنوانها حرب مفتوحة بزمن غير محدد؟
المؤكد أن المنطقة دخلت لحظة فارقة. لحظة تختبر فيها توازناتها وصلابة جبهاتها الداخلية وقدرة قياداتها على منع الانزلاق إلى ما هو أبعد من الهدف المعلن. لأن أسوأ ما في الحروب ليس بدايتها بل اتساعها خارج الحسابات.
ما يحدث اليوم ليس مجرد جولة عسكرية جديدة بل نقطة تحول. إما أن تعيد صياغة قواعد الاشتباك لسنوات قادمة أو تفتح الباب لفصل أكثر اضطرابا في تاريخ إقليم لم يعرف يومًا رفاهية الاستقرار الكامل.

في الحروب القرار الأول سهل نسبيا.
أما القرار الأصعب دائما… فهو قرار التوقف.

تم نسخ الرابط