رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

أسواق الطاقة العالمية بين صدمة هرمز ورهان الاحتواء السريع

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

في غضون ثلاثة أيام فقط، وجدت أسواق النفط والغاز نفسها أمام اختبار هو الأخطر منذ سنوات، مع اقتراب تحقق أسوأ سيناريو لطالما خشيه المتداولون، تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، الشريان الذي يمر عبره نحو خُمس إنتاج النفط العالمي. 

وبينما كادت حركة الناقلات أن تتوقف، وأُغلقت منشآت طاقة كبرى بفعل الهجمات، بقيت ردود فعل الأسعار أقل حدة مما توحي به خطورة المشهد، في مفارقة تعكس رهانات السوق على قِصر أمد الصراع.

اضطراب غير مسبوق.. واستجابة سعرية محدودة

الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة طالت منشآت حيوية، بينها منشأة رأس لفان القطرية، أكبر مركز لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في العالم، إلى جانب أكبر مصفاة نفط في السعودية. 

وبالنظر إلى أن منشأة رأس لفان تمثل نحو خُمس إمدادات الغاز المسال العالمية، فإن توقفها يُعد صدمة فورية لسوق يعاني أصلًا من محدودية طاقة التخزين مقارنة بالنفط.

ورغم ذلك، لم تتجاوز أسعار خام برنت أعلى مستوياتها منذ يونيو، فيما بدت قفزة الغاز الأوروبي بنسبة 39% محدودة مقارنة بالقفزات القياسية خلال أزمة الطاقة 2021-2022. هذا التباين بين حجم الخطر وحجم الاستجابة السعرية يعكس قناعة راسخة لدى المتداولين بأن الإغلاق الكامل أو المطوّل للممرات والمنشآت سيظل مستبعدًا.

مضيق هرمز.. الشريان الذي لا يُغلق طويلاً

لطالما اعتُبر مضيق هرمز نقطة الاختناق الأخطر في تجارة الطاقة العالمية، فإلى جانب النفط الخام، تمر عبره كميات ضخمة من المنتجات المكررة وغاز البترول المسال والغاز الطبيعي المسال. ورغم أن حصته في تجارة النفط العالمية انخفضت مقارنة بسبعينيات القرن الماضي، فإن أهميته الاستراتيجية لا تزال حاسمة.

لكن المفارقة أن هذه الأهمية نفسها عززت اعتقادًا في الأسواق بأن الولايات المتحدة وحلفاءها لن يسمحوا بإغلاقه لأكثر من بضعة أيام. وقد ترسخت هذه القناعة خلال أكثر من عامين من التوترات في الشرق الأوسط لم تؤدِ إلى اضطرابات فعلية في التدفقات.

 رهان سياسي على خريطة طاقة جديدة

في الخلفية، يبرز رهان الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن التحولات التي شهدتها خريطة الطاقة العالمية — خصوصًا زيادة الإنتاج الأميركي وتنوع مصادر الإمداد — تمنحه هامشًا عسكريًا أوسع في الشرق الأوسط مقارنة بأسلافه، وحتى الآن، يبدو أن الأسواق تتبنى الرهان ذاته، إذ تسعّر الصراع على أنه محدود زمنيًا.

غير أن هذا الرهان محفوف بالمخاطر؛ فكلما طال أمد المواجهة، ارتفعت احتمالات حدوث خلل هيكلي في الإمدادات، لا سيما في سوق الغاز المسال الأكثر هشاشة من حيث التخزين والمرونة اللوجستية بحسب الشرق بلومبرج.

 فوضى في الشحن البحري.. والأسواق تترقب

على أرض الواقع، بدت المخاطر أوضح في البحر منها على شاشات التداول، تحذيرات أميركية للسفن بالابتعاد عن العمليات العسكرية في الخليج، مراجعات عاجلة للعقود من قبل مالكي السفن، وتتبع محموم لمسارات الناقلات عبر أنظمة الأقمار الصناعية، بعض السفن اقتربت من المضيق ثم انحرفت عنه، فيما أُبلغ عن تضرر أربع سفن تجارية على الأقل.

هذا الاضطراب الملاحي يهدد بخلق اختناقات في سلاسل الإمداد حتى دون إغلاق رسمي للمضيق، ما قد يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويدفع الأسعار للصعود تدريجيًا.

ويرى محللون أن وفرة المعروض في سوق النفط واحتمال فائض في الغاز خففا من حساسية المتداولين للصدمات الجيوسياسية. 

كما أن خبرة السنوات الأخيرة — حيث جرى “بيع” كل ارتفاع سعري ناتج عن تصعيد عسكري — عززت نمطًا من الثقة في قدرة السوق على امتصاص الصدمات سريعًا.

إلا أن حجم الاضطرابات الحالي غير مسبوق، خاصة في قطاع الغاز الطبيعي المسال، وإذا استمرت الفوضى لأكثر من أيام معدودة، فقد تتحول رهانات الاحتواء السريع إلى موجة شراء مذعورة، تدفع الأسعار إلى مستويات أعلى وتعيد شبح التضخم العالمي.

تعيش أسواق الطاقة لحظة توازن دقيقة بين خطر فعلي على الإمدادات ورهان جماعي على قِصر أمد التصعيد. وحتى الآن، تغلّب منطق “الاحتواء السريع” على منطق “الصدمة الهيكلية”. لكن استمرار التوتر حول مضيق هرمز أو تعطّل منشآت كبرى لفترة أطول قد يقلب المعادلة، ويدخل العالم في مرحلة جديدة من تقلبات الطاقة وارتفاع الأسعار.

في النهاية، لا يعكس هدوء الأسعار الحالي غياب الخطر، بل يعكس ثقة مشروطة بأن خطوط الإمداد الحيوية ستبقى مفتوحة — ولو بعد أيام من الاضطراب.

تم نسخ الرابط