هل ما ندرسه عن الإنسان علم أم مجرد معرفة؟.. علي جمعة يٌجاوب
نشر الدكتور علي جمعة عبر صفحته الرسمية على موقع فيسبوك طرحًا فكريًا مهمًا أعاد من خلاله فتح النقاش حول مفهوم العلم وحدوده، مؤكدًا أن هناك خلطًا شائعًا بين معنى “Science” بالتصور الغربي القديم وبين مفهوم “العلم” في اللغة العربية، وهو خلط أدى إلى التقليل من شأن العلوم الإنسانية والاجتماعية رغم اعتمادها على مناهج علمية واضحة تقوم على التجربة والملاحظة والاستنتاج.
العلوم الإنسانية تقوم على منهج علمي واضح
وأوضح أن العلوم الاجتماعية والإنسانية تُعد علومًا حقيقية لأنها تمتلك منهجًا وأصولًا وقواعد ونظريات تُبنى عليها النتائج، تمامًا كما هو الحال في العلوم الطبيعية، حيث إن علم الاجتماع وعلم النفس وعلم الإدارة وعلم السياسة ليست مجرد أفكار نظرية أو تأملات فلسفية، بل تشمل جانبًا تطبيقيًا يعتمد على التجريب والمشاهدة وتحليل الظواهر واستخلاص النتائج، وهو ما يجعلها علومًا قائمة بذاتها وفق المعايير المنهجية المعتمدة.
معنى Science في التصور البريطاني القديم
وأشار إلى أن مفهوم “Science” في التصور البريطاني القديم لا يقتصر على المعمل والكيمياء والفيزياء فقط، بل يقوم أساسًا على ثلاثة أركان رئيسية هي التجربة والمشاهدة والاستنتاج، وهو منهج لا يقتصر على العلوم الطبيعية وحدها، بل يمكن تطبيقه أيضًا على العلوم الإنسانية والاجتماعية التي تعتمد بدورها على رصد السلوك الإنساني ودراسة الظواهر المجتمعية وتحليل النتائج للوصول إلى قوانين عامة أو قواعد تنظيمية.
المحاسبة نموذج للعلم التطبيقي
وضرب مثالًا بعلم المحاسبة الذي قد يبدو في ظاهره علمًا قائمًا على نظريات وأساليب إجرائية فقط، إلا أنه في حقيقته يعتمد على قواعد ونماذج عملية وتطبيق مباشر وقياس للنتائج، ما يجعله علمًا بمنهجه وأدواته، وليس مجرد معرفة نظرية أو خبرة مكتسبة دون إطار علمي، وهو ما يؤكد أن معيار العلمية لا يرتبط بنوع الموضوع المدروس بل بالمنهج المستخدم في دراسته.
خطورة حصر العلم في الكيمياء والفيزياء
وبيّن أن حصر مفهوم العلم في مجال الكيمياء فقط أو في العلوم الطبيعية عمومًا يؤدي إلى نتيجة غير منطقية، إذ سيبقى علم واحد فقط هو الكيمياء، بينما يتم إقصاء مجالات واسعة تدخل في حياة الإنسان اليومية، رغم أنها قائمة على المعرفة والتجربة والأثر، مثل التربية والنظافة وتنظيم الحياة اليومية وحتى أبسط الممارسات كغسل الأسنان واختيار معجون مناسب، فكلها تقوم على تراكم خبرات وتجارب ونتائج مثبتة.
الفرق بين العلم وScience في اللغة العربية
وتوقف عند نقطة جوهرية تتعلق بالفرق بين مصطلح “Science” ومفهوم “العلم” في اللغة العربية، حيث إن العلم في الثقافة العربية أوسع وأشمل، إذ يدخل فيه ما وراء المنظور والحس، ويشمل علم الغيب وعلم الوحي والمعرفة الإلهية، إلى جانب العلوم التجريبية، وهو ما يجعل مفهوم العلم في العربية أكثر اتساعًا وعمقًا من المفهوم الغربي الذي يركز بالأساس على المنهج التجريبي.
لا تعارض بين المفهومين بل تكامل
وأكد أن هذا الاختلاف في التعريف لا يعني وجود تعارض بين العلم بمعناه العربي الواسع وScience بمعناه التجريبي، بل هناك تكامل بينهما، فلكل مجال منهجه وأدواته وحدوده، والخلط بينهما هو ما يسبب سوء الفهم بشأن قيمة العلوم الإنسانية والاجتماعية ومكانتها العلمية.
سؤال مفتوح حول طبيعة العلوم الإنسانية
واختتم طرحه بسؤال فكري موجّه إلى القارئ مفاده: هل تُعد العلوم الإنسانية علمًا كاملًا بذاته أم أنها مجرد معرفة من نوع مختلف، ولماذا، وهو سؤال يدعو إلى إعادة التفكير في تصنيفاتنا للعلوم وفي الطريقة التي نقيس بها قيمة المعرفة، بعيدًا عن النظرة الضيقة التي تختزل العلم في المختبر والتجربة الكيميائية فقط.



