النائب محمد رزق يكتب : الفن كقوة ناعمة… كيف تعيد الدراما تشكيل الوعي المجتمعي ؟
تشهد الدراما المصرية في السنوات الأخيرة نقاشًا متصاعدًا حول طبيعة ما يعرض على الشاشات، وحدود العلاقة بين الفن والواقع.
فبينما يرى البعض أن الأعمال الحديثة تعكس تحولات المجتمع بجرأة وواقعية، يشعر قطاع من الجمهور بأن جزءًا مما يقدم لا يجسد الصورة الكاملة للمجتمع المصري، ولا يعكس دفء الأسرة وقيمها الراسخة كما اعتادها المشاهد عبر عقود.
هذا الحنين إلى الماضي لا يعبر بالضرورة عن رفض للتطوير أو تمسك جامد بالقوالب القديمة، بل هو مقارنة طبيعية بين مرحلتين: مرحلة ارتبطت بأعمال تركت أثرًا وجدانيًا وثقافيًا عميقًا، ومرحلة تسعى لإعادة تعريف شكل الدراما في ظل متغيرات اجتماعية وإعلامية متسارعة.
وفي خضم هذا الجدل، جاء موسم دراما 2026 ليقدم نموذجًا مختلفًا في بعض أعماله، خاصة تلك التي قدمتها الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، والتي واصلت ترسيخ موقعها كأحد أبرز الكيانات الإنتاجية في المشهد الفني المصري ، فقد اتسمت الأعمال المعروضة هذا العام بمحاولة واضحة للموازنة بين الجودة الفنية والرسالة المجتمعية، مع اهتمام ملحوظ بقضايا الهوية والقيم والأسرة.
ويبرز في هذا السياق مسلسل الاختيار بوصفه أحد أبرز الأعمال التي تركت بصمة واضحة منذ انطلاقه.. فقد تناول المسلسل قضايا وطنية مهمة، وقدم قصصًا بطولية مستوحاة من الواقع حول تضحيات رجال الجيش والشرطة المصرية، في معالجة درامية جمعت بين البعد الإنساني والطرح الوطني.. هذا النجاح لم يكن عابرًا، بل تحول إلى تجربة ممتدة عبر عدة أجزاء، عززت من حضوره وتأثيره في وجدان الجمهور.
ومن هنا يتبلور جوهر النقاش: هل يفترض بالدراما أن تكتفي بتقديم أكثر زوايا الواقع إثارة وصخبًا، أم أن عليها مسؤولية ثقافية واجتماعية أوسع، تراعي أثر الصورة في تشكيل وعي الأجيال؟ إن المطالبة بدراما أكثر توازنًا لا تعني الدعوة إلى أعمال مثالية أو خطاب وعظي مباشر، بل إلى محتوى يعكس تنوع المجتمع المصري، ويجسد قيم العمل والكفاح والتماسك الأسري إلى جانب ما يعتريه من تحديات.
فمصر، بتاريخها الثقافي والفني العريق، تستحق دراما ترتقي بذائقة جمهورها، وتحافظ على دور الفن كقوة ناعمة مؤثرة، وجسرٍ يجمع الأسرة حول قصة تحمل معنى، لا مجرد مشهد يثير الجدل.
وفي معادلة تجمع بين الإبداع والمسؤولية، يمكن للدراما المصرية أن تستعيد بريقها، وتؤكد قدرتها على التعبير عن حاضرها دون أن تفقد جذورها .