تنمية تبدأ من الأرض.. قصة مشروع يعيد تعريف الفرص بالريف
في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بما تملكه من موارد فقط، بل بقدرتها على تحويل الفرص الكامنة إلى حياة كريمة، وعلى إعادة تعريف العمل بوصفه قيمة إنسانية قبل أن يكون رقمًا في معادلة اقتصادية.
فحين يصبح الريف ساحة إنتاج لا انتظار، ويغدو المشروع الصغير بابًا للأمل لا عبئًا على صاحبه، تتغير فلسفة التنمية من الدعم المؤقت إلى التمكين المستدام.

ومن هذا المنظور، يطل المشروع القومي لإحياء البتلو ليس كمبادرة تمويلية عابرة، بل كرهان واعٍ على الإنسان، وعلى العمل باعتباره الطريق الأصدق لبناء مجتمع متوازن، يخلق فرصه بيديه، ويصنع مستقبله من قلب الأرض.
ففي وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية وارتفاع معدلات البحث عن فرص عمل مستقرة، يبرز المشروع القومي لإحياء البتلو كأحد أهم الأدوات الحكومية التي لا تستهدف فقط زيادة الإنتاج الحيواني، بل تمتد آثارها لتشمل خلق فرص عمل حقيقية ومستدامة للشباب وصغار المربين في الريف المصري.
دفع قوي لعجلة التشغيل
في هذا الإطار، وافق مجلس إدارة المشروع القومي لإحياء البتلو، برئاسة علاء فاروق وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، على اعتماد تمويل جديد بقيمة 297 مليونًا و360 ألف جنيه، لصالح 425 مستفيدًا من صغار المربين وشباب الخريجين، بإجمالي 4251 رأس ماشية، وذلك ضمن المبادرة الرئاسية حياة كريمة التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي لتطوير الريف المصري وتحسين مستوى معيشة سكانه.
هذا التمويل لا ينعكس فقط في صورة أرقام، بل يترجم عمليًا إلى مئات المشروعات الصغيرة التي توفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، سواء داخل المزارع أو في سلاسل الإمداد المرتبطة بها من أعلاف، ونقل، ورعاية بيطرية، وتسويق.

أكثر من 10.3 مليار جنيه
وأكد وزير الزراعة أن إجمالي ما تم ضخه في المشروع منذ انطلاقه بلغ أكثر من 10 مليارات و350 مليون جنيه، استفاد منها نحو 45,535 مستفيدًا، لتربية وتسمين أكثر من 526,760 رأس ماشية، سواء لإنتاج اللحوم أو الألبان.
ويشير خبراء إلى أن هذه الأرقام تعكس أحد أنجح نماذج التمويل الإنتاجي في القطاع الزراعي، حيث يتم توجيه الدعم مباشرة إلى مشروعات مولدة للدخل، وقادرة على استيعاب العمالة، لا سيما في القرى والمناطق الأكثر احتياجًا.

متابعة ميدانية
وفي خطوة تهدف إلى حماية هذه الاستثمارات وضمان استمرار فرص العمل الناتجة عنها، وجه الوزير قطاعات الوزارة المختصة، وعلى رأسها قطاع تنمية الثروة الحيوانية والداجنة والهيئة العامة للخدمات البيطرية، بتكثيف المتابعات الميدانية للمستفيدين، وتقديم الرعاية البيطرية والدعم الفني، ورصد أي معوقات قد تهدد استقرار المشروع أو دخل المستفيدين.
وأكد الوزير أن المشروع يسهم في تحقيق توازن الأسعار في الأسواق، ما يدعم استقرار الطلب ويضمن استمرار دورة الإنتاج والتشغيل دون خسائر.

إجراءات تفتح الباب للشباب
من جانبه، أوضح المهندس مصطفى الصياد نائب وزير الزراعة، أن الوزارة بالتعاون مع البنك الزراعي المصري والبنك الأهلي المصري، تقوم بإجراء معاينات دقيقة لحظائر المستفيدين، للتأكد من جاهزيتها، بما يضمن جدية المشروع وقدرته على الاستمرار.
كما يتم التأمين على الرؤوس الحيوانية فور استلامها، بنسب مخفضة، وهو ما يقلل المخاطر ويشجع الشباب على خوض التجربة دون خوف من الخسارة.

فرص العمل مستمرة
بدوره، أكد الدكتور طارق سليمان رئيس قطاع تنمية الثروة الحيوانية والداجنة، أن باب التقديم لا يزال مفتوحًا أمام صغار المربين وشباب الخريجين، من خلال الإدارات الزراعية أو فروع البنوك المشاركة المنتشرة في جميع المحافظات.
وأشار إلى أن المشروع لا يوفر تمويلًا فقط، بل يقدم منظومة دعم متكاملة تضمن نجاح التجربة وتحقيق عائد اقتصادي مجزٍ، بما ينعكس على زيادة دخول الأسر الريفية وخلق فرص عمل جديدة داخل المجتمعات المحلية.

أكثر من مشروع
في المحصلة، لم يعد المشروع القومي لإحياء البتلو مجرد برنامج لدعم الإنتاج الحيواني، بل تحول إلى سياسة تنموية متكاملة تضع التشغيل في قلب أهدافها، وتراهن على تمكين الشباب وصغار المربين كطريق مباشر لتعزيز الأمن الغذائي، وتحقيق التنمية المستدامة في الريف المصري.


