عودة رمسيس الثاني.. الأشمونين تكشف أسرار التاريخ المدفون
في المنيا، حيث تتلاقى ضفاف النيل مع صدى التاريخ، تشهد اليوم تجسيدًا حيًّا لعظمة مصر القديمة، من خلال إعادة تمثال الملك رمسيس الثاني إلى مكانه الأصيل بالأشمونين؛ ففي هذا الانتصار للعلم والمعرفة، يتجلى الحوار بين الماضي والحاضر، حيث يربط الترميم الدقيق بين الإرث الحضاري والحكمة الإنسانية، ويذكرنا بأن الإنسان لا يكتفي بملاحظة التاريخ، بل يسعى لفهمه وحفظه، لتظل أعظم قصصه منارة للأجيال القادمة، ومصدر إلهام للحياة المستمرة بين زمنين.

رمسيس الثاني
القصة بدأت في إنجاز أثري استثنائي حينما أنهت البعثة الأثرية المصرية الأمريكية المشتركة أعمال ترميم وإعادة تمثال الملك رمسيس الثاني بمنطقة الأشمونين بمحافظة المنيا، بعد الكشف عن الجزء العلوي منه في فبراير 2024، وإعادته إلى موضعه الأصلي أمام المدخل الشمالي لمعبد المدينة.
ويأتي هذا المشروع في إطار جهود الدولة المصرية للحفاظ على تراثها الحضاري وفق أعلى المعايير العلمية الدولية، وتعزيز السياحة الثقافية بالمحافظة.

تنشيط السياحة الثقافية
وأكد السيد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، أن إعادة تركيب التمثال تمثل نموذجًا ناجحًا للتعاون العلمي البنّاء مع البعثات الأجنبية، مشيرًا إلى أن المشروع يسلط الضوء على القيمة التاريخية والأثرية لمواقع محافظة المنيا، ويخدم خطط الدولة لتنشيط السياحة الثقافية.
من جانبه، أوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن المشروع يعكس كفاءة وخبرة الكوادر المصرية في مجالات الترميم والتوثيق والدراسة، ويؤكد حرص المجلس على تطبيق أحدث الأساليب العلمية في صيانة وحفظ التماثيل الضخمة لضمان استدامتها للأجيال القادمة.
أما محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية، فقد أفاد بأن التمثال يبلغ ارتفاعه بعد الترميم نحو 6.7 متر، ويصل وزنه إلى أكثر من 40 طنًا، مصنوع من الحجر الجيري ومكوّن من أربعة أجزاء رئيسية، منها جسد التمثال المكسور إلى نصفين، وقاعدة من ثلاث كتل حجرية ضخمة، بالإضافة إلى الأساسات السفلية غير المنقوشة. ويجسد التمثال الملك رمسيس الثاني جالسًا في مشهد يعكس عظمة الفن والنحت في مصر القديمة.

البعثة المصرية الأمريكية
ويعود عمل البعثة المصرية الأمريكية إلى عام 2023 برئاسة الدكتور باسم جهاد من المجلس الأعلى للآثار، والدكتورة يوفونا ترنكا من جامعة كولورادو بالولايات المتحدة، حيث قامت بإجراء حفائر ودراسات علمية شاملة للمدينة، قبل أن يتم العثور على الجزء العلوي من التمثال في فبراير 2024، بطول 3.7 متر ووزن 12 طنًا، مدفونًا تحت طبقات ترجع إلى عصور لاحقة.
وأوضح الدكتور باسم جهاد أن أعمال الترميم التي بدأت في سبتمبر 2025 شملت فك الأجزاء المائلة، تقوية الأحجار، ترميمها، وإعادة تركيبها وفق التسجيلات العلمية، إلى جانب التوثيق الرقمي الكامل ودراسة الأحمال وطبيعة الحجر لمعالجة ميول الأساسات.

مدينة التاريخ والحضارة
وتقع منطقة الأشمونين غرب النيل بمحافظة المنيا، على بعد نحو 8 كم من مركز ملوى، وكانت تعرف قديمًا باسم "خمنو" بالفرعونية و"شمنو" بالقبطية، أي "الثمانية"، نسبة إلى اعتقاد الكهنة القدماء بعناصر الكون الثمانية؛ فيما سماها الإغريق هيرموبوليس، وكانت مركز عبادة الإله جحوتي إله الإقليم الخامس عشر.
ويشير الباحث أحمد إسماعيل إلى الدور السياسي والديني البارز للأشمونين عبر مختلف العصور، بينما ذكر الأثري الدكتور سامي جبرة أن المدينة مقسمة إلى أشمون الغربية (تونا الجبل – مدينة الموتى) وأشمون الشرقية (مدينة الأحياء)، وتحتوي على آثار من العصور الوسطى والحديثة، بما في ذلك معابد متعددة، منها معبد فيليب أرهايديوس، معبد تحوت، معبد رمسيس الثاني، ومعبد سيتى الثاني، بالإضافة إلى البازيلكا اليونانية التي تحولت لاحقًا إلى كنيسة قبطية، وأطلال ملعب البنات.

الأشمونين
فيما تعد الأشمونين من أقدم ولايات مصر، حيث ظلت محتفظة بأهميتها منذ العصور الفرعونية وحتى القرن التاسع عشر الميلادي، وشهدت تغييرات عديدة في تسمياتها، بدءًا من "أونو" و"خمونو"، وصولًا إلى "هرموبوليس الكبرى" في العهد البطلمي والروماني، ثم "أعمال الأشمونين" في العهد العربي.



