بين الضربة العسكرية والتجميد النووي..أين تقف إيران في علاقتها مع الولايات المتحدة؟
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والعقوبات الدولية، يظل الملف النووي الإيراني، جنبًا إلى جنب مع الاحتجاجات الداخلية والضغوط الاقتصادية، محور اهتمام العالم، في هذا السياق، أجرى موقع "الجمهور" حوارًا مع الدكتور علاء السعيد، الخبير في الشأن الإيراني، ليكشف من خلاله عن الكثير من التساؤلات، وإلى نص الحوار.

هل تعتقد أن البرنامج النووي الإيراني هدفه سلمي أم هناك نوايا عسكرية مخفية؟
في قراءة هادئة بعيدة عن الضجيج الدعائي، يمكن القول إن البرنامج النووي الإيراني لم يكن يومًا مشروعًا علميًا خالصًا منفصلًا عن السياسة، ولا سلاحًا عسكريًا مكتمل الملامح، هو في جوهره مشروع قوة، وأداة تفاوض، ورسالة ردع، وإيران لم تبنِ برنامجها لتصنع قنبلة غدًا، لكنها صممته بحيث يظل قابلًا للتحول في أي لحظة إذا ما اقتضت الحاجة، وهذا هو جوهر الإشكالية، والسلمية هنا ليست حقيقة مطلقة، والعسكرة ليست قرارًا نهائيًا، بل منطقة رمادية مقصودة تُبقي الخصوم في حالة قلق دائم، وتُبقي طهران ممسكة بورقة استراتيجية دون عبور الخط الأحمر.

الاحتجاجات الأخيرة في إيران.. هل ترى أن الحكومة تفقد شرعيتها داخليًا؟
أما الاحتجاجات الأخيرة في الداخل الإيراني، فهي لا يمكن اختزالها في كونها “حراكًا معيشيًا” أو “مؤامرة خارجية” كما تحاول السلطة أن تُسوق، ما يحدث هو تآكل تدريجي في الشرعية الاجتماعية، لا في شرعية الدولة ككيان.
والنظام لا يزال يمتلك أدوات السيطرة، لكنه يفقد ببطء ذلك العقد غير المكتوب مع شرائح واسعة من المجتمع، خصوصًا الشباب والطبقة الوسطى، وهو فقدان لا يُقاس بعدد المتظاهرين بقدر ما يُقاس بعمق الغضب الصامت واتساع رقعة اللامبالاة.

هل العقوبات الاقتصادية تقتل الاقتصاد الإيراني؟
العقوبات الاقتصادية لم تقتل الاقتصاد الإيراني بالمعنى الحرفي، لكنها شوهته وأعادت تشكيله بصورة مرضية، لم تسقط الدولة، لكنها أنتجت اقتصاد ظل، ونخبة مستفيدة، وطبقات مسحوقة، والعقوبات لا تُسقط الأنظمة بقدر ما تُضعف المجتمعات، وتُجبر السلطة على البحث عن حلول أمنية بدلًا من حلول سياسية، وهو ما عمّق الأزمة بدلًا من حلها.

هل إيران مستعدة للتنازل عن البرنامج النووي مقابل عدم توجيه ضربة أمريكية عسكرية؟
فيما يخص الاستعداد للتنازل عن البرنامج النووي مقابل تفادي ضربة عسكرية أمريكية، فالإجابة المختصرة هي “لا تنازل كامل”، وإيران مستعدة لتجميد، لتقييد، لإعادة تدوير الاتفاقيات بصيغ جديدة، لكنها غير مستعدة للتخلي عن جوهر البرنامج، لأن التخلي هنا لا يعني خسارة ملف تقني، بل خسارة موقع تفاوضي، وتراجعًا استراتيجيًا في معادلة الردع الإقليمي.
إيران تتهم أمريكا وحلفاءها بالتدخل في الشؤون الداخلية.. إلى أي مدى ترى تدخلهم حقيقي، وإلى أي حد تستغل إيران الموضوع لمصالحها؟
أما اتهام طهران لواشنطن وحلفائها بالتدخل في الشؤون الداخلية، فهو اتهام يحمل قدرًا من الحقيقة وقدرًا أكبر من التوظيف، نعم، هناك تدخل إعلامي، وضغوط سياسية، ومحاولات توجيه، لكن إيران بدورها تُضخم هذا التدخل لتبرير فشلها الداخلي، ولإعادة توحيد الجبهة الداخلية عبر صناعة عدو خارجي دائم، والتدخل موجود، لكن استثماره السياسي أكبر من حجمه الواقعي.

هل هناك انقسامات داخل الحكومة الإيرانية تؤثر على السياسة الخارجية، أم أن القرار موحد بالكامل؟
وفيما يتعلق بوحدة القرار داخل النظام الإيراني، فالصورة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه، لا يوجد انقسام علني حاد، لكن هناك تباينات في التقدير بين مؤسسات الدولة، وبين التيار الأمني والتيار البراغماتي. القرار في النهاية يبدو موحدًا لأنه يخرج من مركز واحد، لكنه في الحقيقة نتاج شد وجذب داخلي طويل، تُحسم فيه الخلافات خلف الأبواب المغلقة.
ماهو مصير مخزون اليورانيوم ؟
مصير مخزون اليورانيوم سيظل مرتبطًا بسيناريو المفاوضات لا بسيناريو الحرب. إيران لن تتخلص منه، لكنها قد تقبل بإعادة توزيع، أو تخفيف نسب التخصيب، أو إخضاعه لرقابة موسعة، طالما أن ذلك يُبقي لها هامش المناورة ويمنع الضربة العسكرية.

هل تمتلك “الترويكا ” الأوروبية أوراق ضغط على طهران وواشنطن خلال المفاوضات؟
أما “الترويكا” الأوروبية، فهي تمتلك أوراق ضغط محدودة لكنها ليست معدومة، أوروبا قادرة على لعب دور الوسيط، وعلى تقديم حوافز اقتصادية جزئية، وعلى الضغط السياسي في المحافل الدولية، لكنها تظل مقيدة بسقف القرار الأمريكي، دورها مؤثر في التفاصيل، لا في الحسم النهائي، وهو ما يجعلها لاعبًا مساعدًا لا صانعًا للقرار.



