رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

ذاكرة القاهرة التي ترفض الغياب.. لغز السيدة عائشة

ارشيفية
ارشيفية

في القاهرة التاريخية، لا تُقاس الأمكنة بمساحتها، بل بما تختزنه من ذاكرة وحياة؛ هنا، حيث تتراكم القرون فوق بعضها كما تتراكم الحكايات، يقف سوق الحمام بمنطقة السيدة عائشة شاهدًا على علاقة معقّدة بين الإنسان والمكان، بين التطوير والهوية، وبين الحاضر الذي يطلب التغيير، والماضي الذي يطالب بالبقاء.

سوق ليس للبيع

أثار الحديث عن أعمال التطوير الجارية في محيط ميدان السيدة عائشة تساؤلات وقلقًا بين رواد السوق وبائعيه، وكأن التاريخ نفسه وُضع موضع تساؤل؛ لكن الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، جاء ليحسم الجدل مؤكدًا أن سوق الحمام لن يُزال، باعتباره أحد الأسواق التاريخية المتجذرة في نسيج القاهرة، وأن ما يجري ليس سوى رفع كفاءة وتنظيم يندرج ضمن مشروع تطوير القاهرة التاريخية، لا اقتلاعها.

في هذا التصريح، لا يكمن القرار الإداري فقط، بل اعتراف ضمني بأن بعض الأماكن لا تُنقل ولا تُستبدل، لأنها تشكّلت مع الزمن، وصارت جزءًا من هوية المدينة.

المكان حيث تتجسد الذاكرة

يظل السوق قائمًا في موقعه التاريخي، في المسافة الممتدة من كوبرى السيدة عائشة حتى أول محور صلاح سالم الجديد، وهو الشارع الذي يعرفه أهل القاهرة باسم شارع سوق الحمام.

هنا، لم يكن بيع الحمام مجرد تجارة، بل طقسًا اجتماعيًا وثقافة شعبية متوارثة، وفضاءً مفتوحًا يلتقي فيه الهواة والحرفيون، وتتشكل فيه علاقات إنسانية تتجاوز البيع والشراء.

وفي ذلك الصدد أكد محافظ القاهرة أن أعمال التطوير لن تضر هواة تربية الحمام أو البائعين، في إشارة إلى وعي بأهمية الحفاظ على النشاط الشعبي كجزء من المشهد الحضاري، لا عائقًا أمام التحديث.

جولة بين الحاضر والماضي

جاءت هذه التأكيدات خلال جولة ميدانية للمحافظ في المنطقة المحيطة بميدان السيدة عائشة، لمتابعة الأعمال الجارية بمحور صلاح سالم البديل. لكن الجولة، في معناها الأعمق، بدت وكأنها تفقد لحدود دقيقة بين الإسفلت والتاريخ، وبين الرؤية العمرانية الحديثة وروح المكان المتوارثة.

عقدة تاريخية

منطقة السيدة عائشة ليست مجرد حي، بل عقدة تاريخية تربط بين طبقات متعددة من القاهرة. فمشروع التطوير يستهدف تحويل المنطقة إلى محور سياحي وثقافي يصل بين، مجمع الأديان، سور مجرى العيون، منطقة مساجد آل البيت، تلال الفسطاط.

وهي مواقع لا يجمعها القرب الجغرافي فقط، بل وحدة تاريخية وروحية تشكل قلب القاهرة الإسلامية والقبطية، حيث تداخلت الأديان والعمارة والحياة اليومية عبر قرون طويلة.

أسماء تحكي الزمن

يُعرف السوق بأسماء متعددة منها سوق السيدة عائشة، سوق الجمعة، سوق القلعة، سوق التونسي، سوق الحمام؛ وتعدد الأسماء هنا ليس ارتباكًا، بل ثراء دلالي، يعكس كيف ظل السوق حيًا ومتغيرًا، دون أن يفقد جوهره؛ فكل اسم هو طبقة زمنية، وكل لقب حكاية من حكايات القاهرة الشعبية.

لا إلغاء بل احتواء

القضية المطروحة اليوم ليست مصير سوق، بل فلسفة مدينة، فالقاهرة التاريخية لا يمكن التعامل معها بمنطق الهدم والبناء فقط، لأنها مدينة عاشت واستوعبت سكانها وأسواقها وطقوسها. ومن هنا، تأتي رسالة التطوير الحالية باعتبارها محاولة لـ احتواء التراث لا محوه، وتنظيم الفوضى دون قتل الروح.

القاهرة تتجدد دون أن تنسى

وفي النهاية يبقى سوق الحمام شاهدًا على قدرة القاهرة على التكيّف مع الزمن، دون أن تنكر جذورها. وفي قلب هذا الجدل، تتجلى حقيقة واحدة، أن المدن العظيمة لا تُقاس بناطحاتها، بل بأسواقها القديمة، وبقدرتها على أن تمنح الماضي مكانًا كريمًا داخل المستقبل.

وهكذا، يظل سوق السيدة عائشة أكثر من سوق، إنه ذاكرة تمشي على قدمين، وتتنفس بين الحجر والبشر.

تم نسخ الرابط