رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

شحاتة زكريا يكتب.. حكاية بلد يحاول أن يلتقط أنفاسه

شحاتة زكريا
شحاتة زكريا

ليست الدول كائنات جامدة تتحرك بالأرقام وحدها بل كيانات حية تتنفس بالناس وتتعب بتعبهم وتستعيد عافيتها حين تجد طريقا واضحا للمستقبل، وفي لحظات التحول الكبرى لا يكون السؤال: ماذا خسرنا؟ بقدر ما يكون: كيف ننهض؟ وكيف نلتقط أنفاسنا لنكمل الطريق؟ هذه هي الحكاية التي تعيشها بلدان كثيرة اليوم وبلدنا في القلب منها: محاولة هادئة، شاقة، وممتدة لالتقاط الأنفاس وسط عالم لا يمنح أحدا رفاهية التوقف .. السنوات الأخيرة كانت ثقيلة على الجميع أزمات عالمية متلاحقة واضطرابات في سلاسل الإمداد وتضخم يضغط على البيوت قبل الميزانيات وتحولات تكنولوجية تغير شكل العمل والحياة بوتيرة أسرع من قدرة المجتمعات على التكيف.

في هذا المناخ يصبح الحفاظ على التوازن إنجازا بحد ذاته وتتحول فكرة الاستمرار إلى معركة يومية لا تقل صعوبة عن معارك البناء الكبرى.. لكن التقاط الأنفاس لا يعني التراجع ولا يعني القبول بالأمر الواقع.

هو لحظة تنظيم للخطوات ومراجعة للأولويات وترتيب للأدوات قبل الانطلاق من جديد، الدول التي تنجح في هذه اللحظة ليست تلك التي تملك الموارد فقط بل تلك التي تملك وضوح الرؤية وقدرة الإدارة وشجاعة الاعتراف بأن الطريق ليس مستقيما دائما.

في الشارع تُقاس الأمور بلغة بسيطة: هل الأسعار تحت السيطرة؟ هل فرص العمل تتسع أم تضيق؟ هل يشعر الناس بأن الغد يمكن التفاوض معه أم أن القلق صار رفيقا دائما؟ هذه الأسئلة لا تجاب بخطاب إنشائي ولا تحل بقرارات معزولة بل بسياسات متكاملة ترى الاقتصاد كحياة يومية للناس لا كجداول وأرقام تعرض في المؤتمرات.

الاقتصاد في جوهره قصة ثقة. ثقة المستثمر في الاستقرار وثقة المواطن في أن جهده لن يضيع وثقة الدولة في أن المجتمع شريك لا عبء، وعندما تهتز هذه الثقة تصبح استعادتها أهم من أي إجراء سريع.

هنا تحديدا يظهر معنى التقاط الأنفاس: أن تبني الثقة خطوة بخطوة حتى لو بدا الطريق طويلا ومكلفا.. وفي لحظات الضغط تميل المجتمعات إلى المقارنات السريعة: لماذا نحن هنا وغيرنا هناك؟ لكن المقارنة العادلة لا تكون بالنتائج فقط بل بالظروف والمسارات والخيارات الصعبة التي اتخذت في توقيتات حساسة.

لا أحد يخرج من الأزمات نظيف اليدين تماما لكن الفارق الحقيقي هو في القدرة على تقليل الخسائر وتحويل الصدمة إلى درس والدرس إلى سياسة.

التعليم هنا ليس ملفا على الهامش بل هو قلب المعادلة، بلد يحاول أن يلتقط أنفاسه لا يمكنه أن يؤجل الاستثمار في الإنسان، لأن الاقتصاد قد يتعافى بدورة جديدة لكن العقول إن لم تجهز ستظل خارج الزمن.

المدرسة والجامعة والتدريب ليست بنود إنفاق بل خطوط دفاع عن المستقبل. وكل حديث عن نمو بلا حديث جاد عن التعليم هو وعد مؤجل بمشكلة أكبر وكذلك الإعلام في هذه اللحظات ليس شاهدا محايدا فقط بل شريك في تشكيل المزاج العام.

المبالغة في التهوين تفقد الثقة والمبالغة في التهويل تصنع يأسا لا داعي له. المطلوب خطاب واقعي يعترف بالصعوبات ويشرح الخيارات ويضع الناس في صورة ما يجري بلا تزيين ولا تخويف، لأن المجتمع الذي يفهم يصبر، والمجتمع الذي يستبعد من الفهم يغضب أو ينكفئ .. السياسة أيضا تختبر في مثل هذه الأوقات.

ليس بقدرتها على رفع الشعارات بل بقدرتها على ترتيب الأولويات وحماية الفئات الأكثر تأثرا وتوسيع دوائر الحوار حول المستقبل.

القرار الصعب يصبح أقل كلفة حين يكون مفهوما والسياسة الناجحة هي التي تجعل الناس شركاء في تحمّل الكلفة لا مجرد متلقين لنتائجها.. وحين ننظر إلى الصورة الأوسع نكتشف أن التقاط الأنفاس ليس محطة قصيرة بل مسار.

مسار يتطلب صبرا وتراكما وإصرارا على ألا تتحول إدارة الأزمات إلى أسلوب حياة. الهدف في النهاية ليس النجاة فقط بل العودة إلى مسار نمو مستدام يشعر فيه المواطن بأن جهده له معنى وأن التضحيات المؤقتة تقود إلى مكاسب حقيقية.

في كل بلد لحظة يقف فيها الناس بين القلق والأمل، القلق مما هو قائم والأمل فيما يمكن أن يكون، الحكاية ليست رومانسية ولا سهلة لكنها ممكنة، لأن الدول لا تبنى في أيام الرخاء وحدها بل تختبر وتصاغ في أيام الشدة. والبلد الذي يحاول اليوم أن يلتقط أنفاسه إن أحسن قراءة لحظته قد يكتشف أنه لا يستعيد الهواء فقط… بل يعيد تعريف طريقه كله.

تم نسخ الرابط