مشروع يغيّر شكل التعليم والتكنولوجيا بمصر.. ماذا تعرف عن مدينة المعرفة؟
القاهرة، تلك البقة التي لا تتوقف عن النبض بالحياة، ليست موطنًا للطرق والكباري والمباني فقط، بل هي أيضًا أرضٌ تتشكل فيها العقول والأفكار قبل أن تُبنى الأبنية؛ ففي قلب العاصمة الإدارية الجديدة، تقف مدينة المعرفة كصرح يذكّرنا بأن التنمية الحقيقية لا تقتصر على الأفق المادي، بل تبدأ من الذكاء والإبداع والبحث العلمي.
فبينما تتسابق الأبنية لتعلو في السماء، تنسج المدينة شبكة من المعرفة والتكنولوجيا تحت سطح الأرض، لتؤسس لمستقبلٍ يوازن بين الفكر والمكان، بين الطموح البشري والبنية المادية، ليكون كل متر مربع فيها شهادة على أن العقل هو أساس الحضارة قبل أي حجر يُوضع في مكانه.

مدينة المعرفة
بدأت القصة في قلب العاصمة الإدارية الجديدة، على مقربة من الحي الحكومي، حيث تمتد مدينة المعرفة، إحدى أبرز وأحدث المشروعات القومية التي تعكس رؤية مصر نحو المستقبل الرقمي والابتكار التكنولوجي.
فيما يمتد المشروع على مساحة تقارب 250 فدانًا، ويأتي ضمن مراحل التنمية المتكاملة للعاصمة الإدارية، ليجمع بين البحث العلمي، التطوير التكنولوجي، والارتقاء بالقدرات الفكرية للشباب المصري، بما يجعله علامة فارقة في خريطة الابتكار والتعليم العالي في مصر.
بداية المشروع ورؤيته
بدأ العمل في المرحلة الأولى من مدينة المعرفة في أغسطس 2019، بتكلفة إجمالية تقدر بـ 2.5 مليار جنيه، وانتهت الأعمال بالكامل؛ كما صُممت المدينة لتكون مركزًا عالميًا للبحث والتطوير، ومكانًا لإعداد كوادر مصرية مؤهلة في مجالات التكنولوجيا والابتكار، مع توفير بيئة حاضنة للشركات العالمية والمحلية ومراكز التدريب المتخصصة.

مكونات ومشروعات رئيسة
تحتوي المرحلة الأولى من المدينة على أربع مبانٍ ضخمة متخصصة في مختلف مجالات التكنولوجيا، إضافة إلى جامعة مصر للمعلوماتية، وهي أول جامعة في أفريقيا متخصصة بالكامل في علوم الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، تضم أربع كليات، ويلتحق بها حاليًا أكثر من 1311 طالبًا.
كما تضم المدينة مركز إمحوتب للإبداع والتطوير، الذي يحتضن أكثر من 17 شركة محلية وعالمية تعمل في مجالات تصميم الدوائر الإلكترونية والأنظمة المدمجة، بما في ذلك التقنيات المتقدمة للسيارات.
وتشمل المدينة كذلك الأكاديمية الوطنية لتكنولوجيا المعلومات للأشخاص ذوي الإعاقة، التي تحتوي على 18 معملًا بحثيًا وتطبيقيًا متخصصًا لتطوير حلول تقنية مبتكرة، وتهدف إلى التمكين الرقمي للأشخاص ذوي الإعاقة، ما يجعل المدينة نموذجًا فريدًا لدمج الابتكار الاجتماعي مع التقدم التكنولوجي.
إلى جانب ذلك، تضم المدينة مراكز بحثية متخصصة في الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، وتحليل البيانات، فضلاً عن مجمعات للشركات الناشئة والمحلية والعالمية، لتكون بمثابة منصة متكاملة لتطوير المعرفة الرقمية والابتكار في مصر.

500 ألف فرصة عمل
من المتوقع أن توفر مدينة المعرفة نحو 500 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، من خلال الشركات والمراكز البحثية ومراكز التدريب.
كما تعمل مدينة المعرفة، على رفع قدرات الشباب وتأهيلهم للتفوق في نظم التكنولوجيا الحديثة، بما يدعم رؤية مصر للتحول الرقمي ويعزز التنافسية على المستوى الإقليمي والعالمي.
وكذا تسهم المدينة بشكل مباشر في دفع عجلة الاقتصاد الرقمي في مصر، من خلال جذب الاستثمارات التكنولوجية، وتعزيز ريادة الأعمال، وتوفير بيئة مناسبة للابتكار، كما تُعد نقطة ارتكاز لتطوير الكوادر البشرية المؤهلة لسوق العمل الرقمي المتنامي.
6000 طالب ومتدرب
تتميز المدينة بموقعها الاستراتيجي بالقرب من الحي الحكومي بالعاصمة الإدارية، وهو ما يسهل الوصول إليها ويعزز من قدرتها على الربط بين مؤسسات الدولة، والقطاع الخاص، والمراكز البحثية؛ وتمتد على مساحة 200–250 فدانًا، وتستوعب نحو 6000 طالب ومتدرب، مع توفير 57 معملًا متخصصًا و 35 شركة محتضنة تستفيد من خدمات المدينة.

مشروعات قيد التنفيذ
تشهد المدينة حاليًا تنفيذ عدة مشروعات لتطوير الجامعات والمعاهد التكنولوجية، وإنشاء مقرات للشركات الناشئة، وتطوير مراكز الأبحاث لتكون جاهزة لدعم منظومة الابتكار التكنولوجي في مصر، بما يعزز مكانة المدينة كمركز علمي وتكنولوجي متكامل في قلب العاصمة الإدارية الجديدة.

مستقبل مصر الرقمي
وفي النهاية تجسد مدينة المعرفة في العاصمة الإدارية الجديدة فلسفة الدولة في دمج التعليم العالي، البحث العلمي، والتكنولوجيا ضمن منظومة واحدة، لتحقيق النمو الفكري والثقافي والتقدم التكنولوجي؛ فهي ليست مجرد مشروع عمراني أو تقني، بل صرح حضاري يسعى إلى إعداد أجيال مصرية قادرة على المنافسة عالميًا، ومؤهلة لقيادة التحول الرقمي والابتكار في كل المجالات.



