الأقصر تشهد ولادة مستقبل جديد.. مشروع رقمي لتمكين المرأة والشباب
في عالم يزداد فيه تعقيد الحياة مع كل تقدم تقني، تطرح الأقصر التاريخية سؤال هوا الأهم ليس كيف نطور التكنولوجيا؟ بل كيف نستثمرها في تمكين الإنسان؟.
فالقوة الحقيقية لأي أداة ليست في آلياتها أو خوارزمياتها، بل في قدرة الإنسان على توظيفها لصالح نفسه ومجتمعه.

مركز تمكين للإبداع
فهنا في قلب الأقصر، حيث يلتقي الإبداع بالتراث، ينبثق مركز تمكين للإبداع والتكنولوجيا كرمز لمفهوم أعمق: أن التعليم والابتكار لا يكونان غاية في حد ذاتهما، بل وسيلة لخلق فرص حقيقية للحرية الاقتصادية والتمكين الرقمي، ولإعادة صياغة مستقبل الإنسان من خلال المعرفة والمهارة والإبداع.
ففي هذا المشروع، لا نحتفي بالمباني أو الأجهزة، بل بالقدرة على تحويل الفكر إلى عمل، والطموح إلى استقلال، والموهبة إلى مسار مهني ملموس، مؤكدين أن التغيير الحقيقي يبدأ دائمًا من تمكين الفرد قبل أن يتحقق على مستوى المجتمع.
بدأت القصة في قلب مدينة الأقصر التاريخية، حيث تختلط حضارة الفراعنة بعزيمة الإنسان المعاصر، هنا شهدت كلية الفنون الجميلة بجامعة الأقصر صباح اليوم ولادة مشروع يحمل في طياته وعدًا بالغد، وحلمًا يتحول إلى واقع ملموس، مركز تمكين للإبداع والتكنولوجيا. بحضور رسمي رفيع، من وزير التعليم العالي الدكتور أيمن عاشور، ومحافظ الأقصر المهندس عبدالمطلب عمارة، وسفير إسبانيا الدكتور سيرجيو رومان، إلى جانب رئيس الجامعة الدكتورة صابرين عبدالجليل، ومؤسسي المشروع.

تمكين المرأة والشباب
لم يكن مجرد طقوس افتتاحية، بل إعلان عن مرحلة جديدة من تمكين المرأة والشباب في صعيد مصر.
المركز ليس مجرد مبنى أو مساحة عمل، بل منصة فكرية وتطبيقية تصنع الفارق، تجمع بين الفن والتكنولوجيا، بين الإبداع الفردي والمهارات الرقمية، لتكون نقطة الانطلاق لكل فتاة وشاب يرغب في بناء مستقبله المهني بطريقة مستقلة وواعدة.
لقد تم تصميم المشروع بعناية ليكون محركًا للتغيير الاجتماعي والاقتصادي في صعيد مصر، حيث تكمن الطاقات البشرية الواعدة التي تحتاج إلى أدواتها ومجالها لتزدهر.

التمكين في صميم الرؤية
وفي ذلك الصدد أكد الدكتور أيمن عاشور أن المركز يمثل خطوة محورية نحو تمكين المرأة رقميًا واقتصاديًا، وأن التكنولوجيا لم تعد مجرد أداة، بل أصبحت وسيلة لتحقيق التنمية الشاملة، وفتح آفاق واسعة أمام الشباب للابتكار والإبداع.
وفي كلمته، شدد المهندس عبدالمطلب عمارة على أن المشروع يمنح السيدات فرصًا للتدريب العملي، والعمل الحر، والعمل عن بُعد، ليكون الاستقلال المهني والاقتصادي واقعًا يمكن تحقيقه.
من جهته، وصف السفير الإسباني المشروع بأنه شاهد على التعاون الدولي والالتزام بالتمكين الرقمي، مشيرًا إلى أن المركز يأتي ضمن مشروع "بذور من أجل المستقبل"، ضمن برنامج "تمكين" الممول من الاتحاد الأوروبي، وهو خطوة عملية نحو دمج الشباب والمرأة في سوق العمل الرقمي الحديث.

بيئة متكاملة للإبداع والعمل
فيما يضم المركز معمل تدريب مجهزًا بأحدث الوسائل التقنية، ومساحة عمل مشتركة، وقاعات للاجتماعات، لتوفير بيئة آمنة وداعمة للتعلم والإبداع.
وقد نجح المشروع خلال عام 2025 في الوصول إلى مئات السيدات والفتيات بمحافظة الأقصر، وتدريب 100 مشاركة في مجالات تصميم الجرافيك، والتسويق الرقمي، وتحليل البيانات.
كما تم تنفيذ 3 حملات رقمية توعوية وصلت إلى أكثر من 61 ألف شخص، بالإضافة إلى فعاليات تعريفية داخل مكتبة مصر العامة وجامعة طيبة التكنولوجية، جذبت الفتيات الراغبات في تطوير مهاراتهن وبناء مستقبل مهني مستقل.
مسار متكامل وفرص حقيقية
يقدم المركز برنامجًا تدريبيًا متدرجًا يبدأ بـ التشبيك وبناء القدرات، مرورًا بـ التدريب التعريفي والمكثف، وانتهاءً بـ برامج احترافية وفرص متقدمة للتعلم والعمل الحر.
كما يتم اختيار أفضل 40 متدربة للحصول على دعم خاص يشمل أدوات وأجهزة تقنية تساعدهن على الانطلاق في مسارهن المهني، إلى جانب مساحات العمل المشتركة وشبكات التواصل المهنية الداعمة.
هذه المرحلة العملية هي قلب المشروع، حيث تتحول المهارات النظرية إلى تطبيق واقعي، وتصبح الطموحات الفردية جزءًا من منظومة اقتصادية رقمية مستدامة.

المشروع كنواة للتغيير المستدام
مركز تمكين للإبداع والتكنولوجيا ليس مجرد مشروع مؤقت، بل نواة للتغيير المستدام في صعيد مصر، حيث يضع الشباب والمرأة في قلب المشهد التنموي، ويحول الطاقات الفردية إلى إنجازات ملموسة.
إنه جسور بين التعليم الأكاديمي ومتطلبات سوق العمل الرقمي، بين الفن والابتكار، بين الطموح الشخصي والمصلحة المجتمعية.
من خلال هذا المشروع، ترسم جامعة الأقصر ملامح مستقبل جديد، حيث يصبح التمكين الرقمي والمهني أداة حقيقية للتنمية الشاملة، ووسيلة لإعادة تشكيل المجتمع المحلي بحيث يتيح الفرص المتساوية للمرأة والشباب، ويضعهم على خريطة الابتكار والإبداع في مصر والعالم.

وفي النهاية، مركز تمكين للإبداع والتكنولوجيا يذكرنا بأن الاستثمار في الإنسان، وفي قدراته الرقمية والإبداعية، هو الأساس الحقيقي لبناء مستقبل أكثر ازدهارًا واستقلالية، وأن التغيير يبدأ دائمًا من تمكين الفرد قبل بناء المؤسسات.


